الحرية ـ رشا عيسى:
تشقّ سوريا طريقاً حذراً لإعادة ضبط السوق النقدي، عبر بوابة طال انتظارها، وهي مأسسة قطاع الصرافة. في خطوة تجمع بين الجوانب الإدارية وإعادة صياغة القواعد المالية والانتقال من اقتصاد تحكمه ردود الفعل إلى آخر يسعى ـ ولو تدريجياً ـ إلى صناعة الاستقرار.
حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر والحصرية عقد اجتماعاً مع ممثلي شركات الصرافة، لبحث سبل تطوير قطاع الصرافة وتعزيز دوره في دعم الاستقرار النقدي.
وناقش اللقاء مقترح إحداث جمعية للصرافة في سوريا، في خطوة تُعد الأولى من نوعها، على أن تلتزم هذه الجمعية بأخلاقيات العمل المهني وبالقواعد العالمية المعتمدة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأكد الحصرية خلال الاجتماع أهمية تنظيم عمل شركات الصرافة ضمن إطار مؤسساتي يعزز الشفافية في السوق المالية، مشيراً إلى استعداد المصرف لتقديم الدعم والمساندة اللازمة لتأسيس الجمعية سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، كما تم بحث إمكانية انضمام الجمعية مستقبلاً إلى الاتحادات المهنية العربية والعالمية، بما يسهم في تطوير المهنة وتعزيز الشفافية والتسعير وفق معايير فنية صحيحة كما هو متبع في دول العالم الأخرى.
خيار اضطراري
الباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس في حديثه لـ” الحرية” قال: لا ينظر إليّ تأسيس جمعية مهنية لشركات الصرافة كإجراء تقني معزول، بل كخيار اضطراري فرضه ضعف البنية المصرفية في سوريا، فالمصرف المركزي، بحسب تعبيره، فقد جزءاً كبيراً من فعاليته التقليدية مع تراجع دور البنوك، ما دفعه إلى “الرهان على أدوات بديلة، أقل فاعلية، لكنها متاحة”، وفي مقدمتها شركات الصرافة.
ويضيف لـ”الحرية”: إن هذه الخطوة “ترميمية بامتياز”، تهدف إلى لملمة قطاع يعمل منذ سنوات خارج الضبط الكامل، حيث تنتشر مئات – بل آلاف- المحال غير المرخصة التي تتحرك بعيداً عن أي رقابة فعلية.

ذراع غير مباشرة
لكن ما يطرحه الجاموس لا يتوقف عند حدود التنظيم، حيث يرى أن الجمعية، إذا مُنحت صلاحيات حقيقية، يمكن أن تتحول إلى “ذراع غير مباشرة” للمصرف المركزي، تضبط إيقاع السوق من الداخل، وتحدّ من الفجوة المزمنة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وهنا لا يدور الحديث عن استقرار نقدي كامل، بقدر ما هو “تحقيق قوة نسبية” في سوق مختل، حيث لا تزال الكلمة العليا للمضاربات والتوقعات غير المنضبطة.
إدارة الأزمات
على الضفة الأخرى، يذهب الكاتب والباحث الاقتصادي الدكتور ماهر التمران إلى توصيف أكثر شمولاً، معتبراً أن ما يجري هو محاولة للانتقال من “إدارة الأزمات” إلى “صناعة الاستقرار”، فالسوق السوري، كما يقول عاش طويلاً تحت رحمة “الفجوة المعلوماتية”، حيث لم تكن الأسعار تُحدد فقط وفق العرض والطلب، بل وفق الشائعات والتسريبات ومنشورات وسائل التواصل.
“كسر احتكار المعلومة” هو العنوان الأبرز الذي يركز عليه التمران في حديثه لـ” الحرية”. فوجود جمعية مهنية، وفقاً له، يعني إيجاد منصة موحدة تصدر عنها مؤشرات واضحة واتجاهات شفافة، ما يحدّ من الهلع الجماعي ويكبح الطلب غير المبرر على العملات الأجنبية. في هذا الإطار، تتحوّل الشفافية إلى أداة ضبط بحد ذاتها، لا تقل أهمية عن التدخلات النقدية المباشرة.

جواز سفر
غير أن التمران يضع يده على ملف أكثر حساسية، وهو الامتثال للمعايير الدولية، ولا سيما ما يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
هنا، يبتعد الخطاب عن الطابع المحلي، ليدخل في صلب علاقة سوريا بالنظام المالي العالمي. فهذه المعايير، التي كثيراً ما تُقدَّم كقيود بيروقراطية، هي في الواقع ـ بحسب التمران- جواز السفر الوحيد لاستعادة الحد الأدنى من الثقة الدولية.
ومن دون هذا الامتثال، ستبقى الحوالات تمر عبر قنوات ملتوية، بكلف مرتفعة ومخاطر أكبر، فيما يستمر استنزاف العملة الصعبة في السوق الموازية.
بين طرح الجاموس والتمران، تتقاطع الرؤية عند نقطة مركزية وهي الحاجة إلى تقليص اقتصاد الظل، فسنوات الحرب والعقوبات أفرزت نظاماً موازياً في قطاع الصرافة، تتحرك فيه كتل نقدية ضخمة خارج الرادار الرسمي وهنا، لا يكفي القمع الأمني وحده، التنظيم- بصيغته المؤسسية-يُفترض أن يجذب هذه الأنشطة إلى الداخل، عبر توفير بيئة أكثر استقراراً، وحوافز قانونية، وإطار عمل واضح.
حلقة وصل
في هذا السياق، تبدو الجمعية كحلقة وصل مفقودة، فهي كما يشرح الجاموس، قادرة على تقليص المسافة بين ” المركزي” والسوق، وتوحيد كلمة الشركات المرخصة، بما يمنحها وزناً أكبر في عملية التسعير والتدخل، أما التمران فيذهب أبعد، حين يربط نجاح هذه التجربة بقدرتها على الانفتاح الخارجي، والانضمام إلى شبكات مهنية إقليمية ودولية، بما يعيد “الهوية المهنية” لقطاع ظلّ معزولاً لسنوات.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن البعد التكنولوجي، فالمعايير الجديدة ستفرض، حكماً، تحديث البنية التقنية لشركات الصرافة، من أنظمة تدقيق ورقابة إلى شبكات ربط إلكتروني لحظي. هنا، لا يعود الحديث عن تحسين الخدمات فقط، بل عن إعادة بناء آليات التسعير نفسها، بحيث تستند إلى بيانات فعلية، لا إلى مزاج السوق أو إشاعاتها.
ليست عصا سحرية
ومع ذلك، لا يذهب أي من الباحثين إلى المبالغة في التفاؤل فالجمعية، كما يتفقان، ليست عصا سحرية، هي خطوة ضرورية، لكنها غير كافية في ظل استمرار ضعف القطاع المصرفي، وتعقيدات البيئة الاقتصادية والسياسية، النجاح في نهاية المطاف، مرهون بمدى استقلالية هذا الكيان الجديد، وقدرته على فرض قواعد مهنية شفافة، لا أن يتحول إلى امتداد بيروقراطي للمصرف المركزي.
في المحصلة، ما يجري اليوم في قطاع الصرافة ليس مجرد إعادة ترتيب إداري، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق، وبينما لا تزال الطريق مليئة بالعوائق، يبدو أن الرهان هذه المرة ليس على قرار عابر، بل على بناء مؤسسة قد تنجح، إن أُحسن استخدامها، في تحويل الفوضى إلى نظام، والتقلب إلى استقرار نسبي.