الحرية ـ حسن العجيلي:
لم تعد إعادة الإعمار في سوريا مجرد شعار سياسي أو ملف تفاوضي مؤجل، بل تحولت إلى سؤال اقتصادي وجودي يرتبط بمستقبل الوطن وقدرته على النهوض بعد أكثر من عقد من الصراع الذي أنهك البنية التحتية، ودمر قطاعات الإنتاج وعمق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
وبين مدن مدمرة وشبكات خدمات شبه مشلولة، واقتصاد يعاني من تضخم حاد وتراجع الاستثمار، لا يقتصر النقاش حول التمويل على حجم الأموال المطلوبة، بل يمتد إلى طبيعة هذا التمويل وآلياته، إضافة إلى تحديات العقوبات الاقتصادية ومناخ الاستثمار، وفي قلب هذه الأسئلة يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن لإعادة الإعمار أن تكون محركاً للنمو الاقتصادي المستدام، أم إنها ستتحول إلى عملية إنفاق مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية؟.
إعادة الإعمار محرّك للنمو
يوضح الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب الدكتور حسن حزوري لـ”الحرية” أن تمويل إعادة الإعمار بات العامل الحاسم الذي سيحدد شكل الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة، مضيفاً إن تقديرات المنظمات الدولية تشير إلى أن كلفة إعادة بناء ما تهدّم تتجاوز مئات مليارات الدولارات، وهو رقم يتجاوز بكثير قدرات الدولة المالية الحالية ويضع سوريا أمام معادلة معقدة.
مضيفاً إن النقاش حول التمويل لا يقتصر على حجم الأموال المطلوبة بل يمتد إلى طبيعة هذا التمويل وآلياته، مؤكداً أن السؤال الجوهري يتمثل في قدرة إعادة الإعمار على أن تكون محركاً للنمو الاقتصادي المستدام لا مجرد عملية إنفاق مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية.
التحول إلى اقتصاد التنمية
وفي قراءة أوسع لاقتصادات ما بعد النزاعات يشير الدكتور حزوري إلى أن الدول الخارجة من النزاعات المسلحة تعاني من اختلالات اقتصادية عميقة، تشمل تراجع الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع معدلات البطالة وتدهور البنية التحتية وضعف المؤسسات، مبيناً أن عملية إعادة الإعمار تمثل مرحلة حاسمة في مسار التعافي ونقطة تحول من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التنمية.
ويستعرض الدكتور حسن حزوري السياق السوري، موضحاً أن سوريا شهدت منذ عام 2011 ثورة شعبية بدأت سلمية ثم تحولت إلى ثورة مسلحة انتهت بسقوط النظام البائد في نهاية عام 2024، نتج عنها خسائر بشرية ومادية جسيمة انعكست نتائجها بصورة مباشرة على الأداء الاقتصادي، منوهاً بأن تقارير البنك الدولي أكدت أن حجم الدمار بلغ مئات المليارات من الدولارات في البنية التحتية السورية وطال قطاعات حيوية كالكهرباء والمياه والنقل والصناعة، ما أدى إلى انكماش اقتصادي حاد.
وفي هذا السياق يوضح الدكتور حسن حزوري أن أهمية دراسة تمويل إعادة الإعمار تبرز بوصفها أداة تحفيزية للنمو الاقتصادي، مع ضرورة تحليل مصادر التمويل وآثارها قصيرة وطويلة الأجل وتقييم مدى استدامته المالية.
كيف يحّفز تمويل إعادة الإعمار النمو الاقتصادي في سوريا؟
الإطار النظري
يشرح الدكتور حسن حزوري أن دراسة تمويل إعادة الإعمار ترتكز على ثلاثة أطر نظرية رئيسية، أولها النظرية الكينزية التي تؤكد أن زيادة الإنفاق العام تؤدي إلى تحفيز الطلب الكلي، مبيناً أنه في الاقتصادات المتضررة من النزاعات يكون الطلب مكبوتاً، ما يجعل الإنفاق الاستثماري العام أداة مركزية لتحريك عجلة الاقتصاد.
أما الإطار الثاني فيتمثل في نظريات النمو الداخلي، حيث يكون الاستثمار في المعرفة ورأس المال البشري يولد عوائد متزايدة.
ويضيف الدكتور حسن حزوري أن الإطار الثالث يتمثل في أدبيات اقتصاد ما بعد النزاعات، إذ يتطلب التعافي الاقتصادي المستدام بناء مؤسسات قوية تمنع العودة إلى النزاع، وهو ما أكده أيضاً تقرير البنك الدولي لعام 2011 حول النزاعات والأمن والتنمية.

واقع الاقتصاد السوري
يشير الدكتور حزوري إلى أن الاقتصاد السوري تعرض خلال سنوات الحرب والثورة لانكماش حاد، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي وترافق ذلك مع فقدان نسبة كبيرة من الطاقة الإنتاجية ولاسيما في قطاعات الإنتاج المادي، إضافة إلى خسائر كبيرة في الموارد البشرية، وفق تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (United Nations Development Programme) عام 2020، الذي أشار إلى تراجع مؤشرات التنمية البشرية نتيجة انخفاض مستويات الدخل والتعليم والصحة، كما أشارت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA) عام 2019 إلى أن النزاعات في المنطقة العربية أدت إلى خسائر تراكمية كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي، وأن إعادة الإعمار تمثل فرصة لإعادة هيكلة الاقتصادات المتضررة.
ويتابع الدكتور حزوري: إن الاقتصاد السوري واجه ولا يزال يواجه تحديات إضافية تتمثل في العقوبات الاقتصادية التي لا تزال آثارها قائمة، إضافة إلى ضعف القدرة على الوصول إلى التمويل الدولي، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور سعر الصرف وعدم استقراره.
مصادر تمويل إعادة الإعمار
ويرى الدكتور حزوري أن مصادر تمويل إعادة الإعمار في الحالة السورية يمكن تصنيفها إلى أربعة مصادر رئيسة، ويتمثل المصدر الأول في التمويل الحكومي المحلي عبر الإيرادات الضريبية والاقتراض الداخلي مع محدودية قدرته في المدى القصير، أما المصدر الثاني فهو القروض والمنح الدولية التي يمكن أن تشكل ركيزة أساسية للتمويل، مع ضرورة ضمان استدامة الدين وفق تحذيرات صندوق النقد الدولي (International Monetary Fund) عام 2019، في حين يتمثل المصدر الثالث في الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتي يمكن أن تسهم في تمويل مشاريع البنية التحتية وخاصة مشاريع إنتاج الطاقة والاتصالات، أما المصدر الرابع فهو تحويلات المغتربين والاستثمار الخاص، والاستفادة المثلى منها تتطلب وجود بيئة مؤسسية مستقرة وقوانين وأنظمة حديثة تتضمن تبسيط الإجراءات وتحفيز الاستثمار في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني ولاسيما القطاعات الإنتاجية.
التحليل الرقمي التقديري
يبين الدكتور حزوري أن تقديرات البنك الدولي (World Bank 2025) تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار قد تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير متوسط يبلغ 216 مليار دولار، وبافتراض توزيعها على عشر سنوات يبلغ متوسط التمويل السنوي نحو 21.6 مليار دولار.
ويعرض الدكتور حزوري ثلاثة سيناريوهات محتملة للتمويل أولها يقوم على تمويل محدود بقيمة 10 مليارات دولار سنوياً، ومع مضاعف اقتصادي قدره 1.5 في المئة، قد يرتفع الناتج بنحو 15 مليار دولار سنوياً، مع معدل نمو يتراوح بين 2 و3 في المئة.
والسيناريو الثاني فيعتمد على تمويل متوسط بقيمة 15 مليار دولار سنوياً ومع مضاعف اقتصادي قدره 2 في المئة، قد يصل الأثر إلى 30 مليار دولار سنوياً، مع معدل نمو بين 4 و6 في المئة.
أما السيناريو الثالث يقوم على تمويل شامل بالتقدير الأعلى البالغ 21.6 مليار دولار سنوياً، ومع مضاعف اقتصادي قدره 2.5 في المئة وقد يرتفع الناتج بنحو 54 مليار دولار سنوياً.
مؤكداً أن تحقيق هذه النتائج يبقى مرهوناً بكفاءة الإدارة والحوكمة لأن وجود الفساد وسوء التخصيص قد يخفضان أثر المضاعف بصورة كبيرة.
الاستدامة المالية
يحذر الدكتور حزوري من أنه إذا تم تمويل نصف عملية الإعمار عبر القروض الخارجية فقد يتراكم دين يصل إلى 150 مليار دولار خلال عشر سنوات، ومع متوسط فائدة يبلغ 3 في المئة قد تتجاوز خدمة الدين السنوية أربعة مليارات دولار، ما يستدعي توجيه القروض نحو مشاريع مولدة للإيرادات وفق توصيات صندوق النقد الدولي (International Monetary Fund) لعام 2019.
استراتيجية وطنية لإعادة الإعمار
ويخلص الدكتور حزوري إلى أن تمويل إعادة الإعمار يمكن أن يشكل محركاً قوياً للنمو الاقتصادي في سوريا، مشيراً إلى أن فعالية التمويل تعتمد على جودة المؤسسات والحوكمة، وأن تنويع مصادر التمويل يقلل المخاطر المالية، فيما يعزز الاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري النمو المستدام، محذراً في الوقت ذاته من أن الإفراط في الاقتراض قد يهدد الاستقرار المالي طويل الأجل.
ويقدم الدكتور حزوري مجموعة من التوصيات أبرزها إعداد استراتيجية وطنية شاملة لإعادة الإعمار مرتبطة بخطة تنمية طويلة الأجل، وتعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة أموال الإعمار، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية عالية القيمة المضافة، وتطوير بيئة تشريعية جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، وتقليل الاعتماد على القروض التجارية مرتفعة التكلفة، إضافة إلى الاستثمار المكثف في رأس المال البشري والتعليم والتدريب.