الحرية – صالح صلاح العمر:
شكّلت الجولات الخارجية المكثفة التي قادها الرئيس أحمد الشرع خلال الأيام الماضية، بزياراته إلى دول الخليج ومشاركته في قمة نيقوسيا الأوروبية، محطة فارقة في مسار الدبلوماسية السورية الجديدة، هذه التحركات لم تأتِ كمجرد بروتوكولات عابرة، بل حملت رسائل سياسية واضحة تعكس تحولاً استراتيجياً في دور سوريا الإقليمي.
دبلوماسية «الانفتاح».. تمهيد لنتائج استراتيجية
هذا النشاط الدبلوماسي يؤكد عودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي، ويسعى لربط الملفات العربية بالمسار الأوروبي، خاصة في قضايا الطاقة والهجرة والأمن وإعادة الإعمار، وبينما قد لا تظهر نتائج مباشرة فورية، فإن هذه الزيارات تمثل استثماراً سياسياً طويل المدى، يهدف إلى إعادة بناء الثقة مع الدول المؤثرة، وإدماج سوريا في ترتيبات إقليمية جديدة، وتمهيد الطريق لاتفاقيات اقتصادية وسياسية كبرى لاحقاً، وما يحدث اليوم هو «إعادة نسج شبكة العلاقات» السورية، والنتائج الحقيقية ستظهر تدريجياً خلال الأشهر أو السنوات المقبلة.
أمن سوريا جزء لا يتجزأ من أمن أوروبا
لقد حملت تصريحات الرئيس الشرع في القمة الأوروبية رسائل متعددة، أبرزها ربط أمن المنطقة بأمن أوروبا في معادلة جيوسياسية متكاملة، فالإشارة إلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز تؤكد أن سوريا تطرح نفسها كلاعب أساسي في معادلة أمن الطاقة والتجارة العالمية، وأن استقرار المنطقة لا يمكن فصله عن الاستقرار الأوروبي.
كما شدد الرئيس الشرع على أن الاعتداءات الإسرائيلية لا تستهدف الأمن السوري فقط، بل تطول الاستقرار الإقليمي وجهود إعادة الإعمار، ما يستوجب موقفاً أوروبياً واضحاً تجاه هذه التحديات، هذا التوجه يعكس محاولة سورية لإعادة تقديم نفسها كدولة تسعى للاستقرار وشريك ضروري لأوروبا في تحقيق الأمن والتنمية، وليس كملف معزول أو أزمة عابرة، باختصار، لا استقرار لأوروبا دون استقرار المنطقة، ولا استقرار للمنطقة دون دور محوري لسوريا.
صحيفة «الحرية» تابعت هذا الملف وتحاورت مع الخبير والمختص الدكتور إسماعيل البرهوم دكتوراه في القانون الدولي وعضو في المنظمة الدولية لحقوق الانسان وشؤون اللاجئين حيث قال: إن السياسة الخارجية السورية قد شهدت خلال الفترة الأخيرة تحوّلاً لافتاً، تمثّل في سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي قادها الرئيس الشرع، واضعاً البلاد على مسار جديد يقوم على الانفتاح والتعاون الإقليمي والدولي، بعد سنوات طويلة من العزلة والضغوط.
وأضاف الدكتور البرهوم بدأ هذا التحول من خلال الجولة الخليجية للرئيس الشرع حيث حملت رسائل واضحة حول رغبة دمشق في إعادة بناء علاقاتها مع محيطها العربي، فقد ركزت الزيارات على تعزيز التعاون الاقتصادي، وفتح قنوات الاستثمار، وإعادة الثقة السياسية، وهي خطوات اعتبرها مراقبون مؤشراً على تبنّي نهج «صفر مشاكل» الذي يهدف إلى تصفير الخلافات وتغليب المصالح المشتركة.
خطوة أوروبية غير مسبوقة
ولم تقتصر التحركات على الإطار العربي، بل امتدت إلى الساحة الأوروبية، حيث شارك الرئيس السوري في قمة الاتحاد الأوروبي، في خطوة غير مسبوقة تعكس تغيّراً في طريقة تعاطي دمشق مع الغرب، هذه المشاركة حملت في طياتها رسائل انفتاح واستعداد للحوار، خصوصاً في الملفات المعقدة مثل إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، ومكافحة الإرهاب.
وبين الدكتور البرهوم أن السياسة السورية الجديدة تسعى إلى تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد، وهو ما يظهر من خلال الانفتاح على الدول العربية، ومحاولة بناء جسور مع أوروبا، والتواصل مع القوى الإقليمية المختلفة. هذا النهج البراغماتي قد يمنح سوريا هامش حرية وحركة أوسع، ويقلل من الضغوط السياسية والاقتصادية.
سوريا طرف في حل أزمات المنطقة
وأضاف البرهوم: سياسياً، حاولت القيادة السورية تقديم نفسها كطرف فاعل في حل أزمات المنطقة، بدلاً من أن تكون جزءاً من المشكلة، هذا التوجّه الجديد يضع سوريا في موقع الوسيط المحتمل في عدد من القضايا الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المميزة.
في المقابل، يبرز التباين واضحاً عند مقارنة هذا المسار بما كانت عليه البلاد في ظل النظام البائد، حيث عانت سوريا من عزلة دولية خانقة، وعقوبات اقتصادية قاسية، وانهيار في البنية التحتية، إضافة إلى تراجع حاد في مستوى المعيشة.
ورغم الإشارات الإيجابية، لا تزال التحديات كبيرة، إذ يتطلب تثبيت هذا التحول بناء ثقة مستدامة مع المجتمع الدولي، وتحقيق تقدم ملموس في الملفات السياسية والاقتصادية الداخلية معاً.
قصارى القول، سوريا اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف دورها الإقليمي، والانتقال من حالة التهميش إلى موقع الشريك في الحلول، غير إن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرة القيادة على تحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى نتائج واقعية يشعر بها المواطن على الأرض.