الحرية- إلهام عثمان:
توقع مدير عام غرفة تجارة دمشق الدكتور عامر خربوطلي أن يحقق النمو الاقتصادي خلال العام الحالي معدل نمو يتراوح بين 4 و6%، وفق المحددات والآليات الاقتصادية المعتمدة في هذا المضمار، معتمداً اعلى التقديرات والدراسات الأقرب إلى الواقع، مبينا أن توقعاته مبنية على نسبة حجم الاستثمارت الفعلية إلى الناتج المحلي الإجمالي.
إذ إنه لتحقيق معدل نمو 8% (مثلاً) يجب استثمار ما لا يقل عن 34 % من الناتج المحلي الإجمالي وفق نظريات النمو الاقتصادي و قاعدة مضاعف الاستثمار.
وهنا يصف هذه النسبة، خلال تصريحه لـ”الحرية” بأنها الأكبر في تاريخ الاقتصاد السوري في حال تحققت، لأنها – ولأول مرة – ستتجاوز معدلات النمو السكاني، ما سيحدث الأثر المباشر على المعيشة والدخل، إنه تحول نوعي لو تحقق، قد يعيد تشكيل خريطة الأمل في بلد أنهكته السنون.
خربوطلي: قد يصل إلى 6 % في حال استثمار 34% من الناتج المحلي الإجمالي
مرآة تعكس قوة الاقتصاد
وأوضح خربوطلي أن هذا المؤشر ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو مرآة تعكس قوة الاقتصاد من ضعفه.وبهذه المصطلحات والأرقام يتم مقارنة الدول وتصنيفها من دول متقدمة وغنية إلى دول متوسطة الدخل، فصاعدة، وصولاً إلى دول فقيرة وبالتالي متخلفة.كما لفت خربوطلي إلى أن النمو الاقتصادي، باختصار شديد، يحدث عندما تزداد قدرة اقتصاد بلد ما على إنتاج السلع والخدمات، ويقاس عادةً بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، لكنه لا يتحقق وفق الخبير، إلا عبر خمس آليات متكاملة.
من تراكم الأصول إلى استقرار المؤسسات
وهنا أوضح خربوطلي الآليات التي يتم الاعتماد عليها في تقيم النمو الاقتصادي للدول وهي:
- تراكم رأس المال عبر زيادة الاستثمار في المصانع والمعدات والبنية التحتية، ما يرفع الطاقات الإنتاجية زراعياً وصناعياً وخدمياً.
- تطور التكنولوجيا والابتكار من خلال تحسين أساليب الإنتاج واعتماد تقانات حديثة كالأتمتة والذكاء الاصطناعي، ما يزيد الإنتاجية دون زيادة المدخلات.
- تنمية رأس المال البشري عبر الاستثمار في التعليم والتدريب والصحة، ليصبح لدينا “قوة عاملة أكثر كفاءة ومهارة وفاعلية.
- زيادة كفاءة استخدام الموارد عبر تحسين الإدارة وتقليل الهدر وزيادة المنافسة.
- استقرار المؤسسات والسياسات، والتي تشمل حماية حقوق الملكية، وسيادة القانون، واستقرار السياسات النقدية والمالية، وأخيراً الانفتاح على الأسواق الخارجية للوصول إلى أسواق أوسع، مما يسمح بالتخصص وتحقيق وفورات الحجم الكبير.
تفسير آليات النمو
ويوضح خربوطلي التفاصيل العلمية الدقيقة التي تفسر آليات النمو، ويبدأ بـ نموذج “سولو” أو تراكم رأس المال، موضحاً أن النمو يحدث عندما يُدخر جزء من الدخل ويُحوَّل إلى استثمار يُضاف لرأس المال، لكنه يحذر من أنه مع تراكم رأس المال تنخفض الإنتاجية الحدية له (قانون تناقص العوائد)، ما يدفع الاقتصاد نحو حالة مستقرة.
آلية التقدم التكنولوجي
أما آلية التقدم التكنولوجي، فيصفها خربوطلي بأنها تنطلق من حقيقة أن زيادة الإنتاج تزيد الخبرة، واستثمار الشركات في الابتكار يولّد تقنيات جديدة لها خاصية عدم التنافسية وعدم الاستبعاد الجزئي، ما يخلق عوائد متزايدة على نطاق الاقتصاد الكلي.
وفي نموذج لوكاس لرأس المال البشري، يوضح الخبير أن إنتاج المعرفة الجديدة عبر تخصيص وقت للتعليم ينتج مهارات جديدة متراكمة لا تخضع لتناقص العوائد، بل تخلق عوائد متزايدة عبر تفاعل العمالة الماهرة.
تحفيز الابتكار
أما الآلية المؤسسية والنقدية، في رأي خربوطلي، فتنتج النمو عبر تحفيز الابتكار والاستثمار بضمان عوائد الاستثمار، وتوجيهها نحو الاستثمارات الأكثر إنتاجية عبر آليات التسعير وإدارة المخاطر. ويضيف أن آلية المنافسة تعمل على “ضغط التكاليف وزيادة الكفاءة، وتؤدي إلى خروج الشركات غير الفاعلة من الأسواق عبر ما يُسمى “الدمار الخلاق”.
قفزة تاريخية تنتظر الضوء الأخضر
وهنا ينتقل خربوطلي من النظرية إلى الواقع السوري بنبرة تحمل تفاؤلاً محسوباً، مشدداً على أن ما يهمنا من هذا الحديث.. لآليات حدوث النمو الاقتصادي، على أن يكون فعل حقيقي برؤوس أموال حقيقية متراكمة، عبر شراء الأصول الثابتة واستثمارها في عمليات مولدة للقيم المضافة، ويتذكر هنا الأثر المضاعف للاستثمار والذي يخلق عوائد أكبر من الاستثمار الأولي، ما يزيد الناتج المحلي وينعكس إيجاباً على دخل الفرد ومستوى معيشته.
ويختم خربوطلي حديثه: بأن النمو الاقتصادي ليس رقماً نضعه على رفوف التقارير، ولا نظرية تموت عند أول اختبار، إنما النمو حينما يعود للعامل أجر يكفي غداءه، وللطالب مقعد دافئ في مختبر، وللتاجر ثقة تغنيه عن المحسوبية.
وفي عام 2026، تقف سوريا أمام امتحان لم تخضه من قبل: أن تنمو أسرع من أطفالها الذين كبروا على وقع الأزمات، فهل تلتقي الحسابات بالسياسات، وتلتقي النظريات بالقرارات؟ الجواب ليس في الأرقام وحدها…