الحرية– مها يوسف:
أكد الأكاديمي والمستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش أن الاقتصاد السوري بات يدفع جزءاً كبيراً من كلفة الأزمات العالمية رغم أنه ليس طرفاً في صناعتها، ما يستدعي تبني سياسات اقتصادية تركز على تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المستوردات، لاسيما في قطاعي الطاقة والمواد الأساسية.
تباطؤ النمو العالمي وتأثيراته
وأوضح عربش في حديث لـ«الحرية» أن خفض البنك الدولي لتوقعات النمو العالمي إلى 2.5% يعكس حجم المخاوف المرتبطة بتباطؤ حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد السوري الذي لا يزال يواجه آثار سنوات طويلة من الحرب والعقوبات الاقتصادية.
تضخم وضغوط معيشية
أشار عربش إلى أن أبرز التأثيرات تتمثل في التضخم المستورد، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً إلى زيادة تكاليف النقل والشحن وإنتاج الطاقة، وخاصة من خلال الاعتماد على المازوت، ما ساهم في تعميق الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة في مختلف القطاعات.
وأوضح أن معدلات التضخم تجاوزت 100% في بعض المناطق، ما فاقم الأعباء المعيشية على المواطنين.
وأضاف عربش إن هذه التطورات تزيد الضغوط على الأسر السورية، في وقت لم يعد فيه الفقر والبطالة مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تحول إلى واقع يومي يفرض تحديات معيشية متزايدة على شريحة واسعة من المواطنين.
الاستثمار وإعادة الإعمار
بيّن عربش أن تشديد السياسات النقدية عالمياً ورفع أسعار الفائدة بهدف احتواء التضخم واستقطاب رؤوس الأموال، أسهم في تراجع التمويل المتاح للمشروعات التنموية.
كما أدت المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة إلى إحجام العديد من المستثمرين الإقليميين والدوليين عن الدخول في مشاريع إعادة الإعمار أو توسيع استثماراتهم في المنطقة، ما يحد من فرص استقطاب رؤوس الأموال اللازمة لتحريك عجلة الإنتاج وإعادة تأهيل البنية الاقتصادية.
تحديات التجارة الخارجية
أوضح عربش أن ارتفاع تكاليف الشحن البحري وتعقيدات الحصول على التمويل التجاري وخطابات الاعتماد بالدولار، أدت إلى زيادة صعوبات استيراد السلع الأساسية والمواد الأولية اللازمة للإنتاج، بما في ذلك القمح والأدوية ومستلزمات الصناعة، وهو ما ينعكس سلباً على الأسواق المحلية من حيث الكميات والأسعار وتكاليف الإنتاج.
تداعيات إقليمية
وتابع عربش أن السياسات النقدية الأمريكية، وخاصة رفع أسعار الفائدة، تؤثر بشكل مباشر في اقتصادات المنطقة من خلال سحب السيولة من الأسواق الناشئة وزيادة أعباء الديون المقومة بالدولار، ما يفرض ضغوطاً إضافية على العديد من دول الجوار.
وأشار إلى أن سياسات خفض إنتاج النفط ضمن تحالف «أوبك+» ساهمت في دعم أسعار الخام عالمياً، وهو ما ينعكس سلباً على الدول المستوردة للطاقة، ومنها سوريا ولبنان والأردن، موضحاً أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر برميل النفط قد ترفع عجز الموازنات العامة بما يصل إلى 0.5% من الناتج المحلي، ما يضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين زيادة الدعم أو تحميل المستهلك جزءاً من الكلفة.
مسارات المواجهة
أشار عربش إلى أن المؤسسات المالية الدولية توصي بضرورة تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر هشاشة من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى التوسع في مشاريع الطاقات المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، والعمل على تطوير آليات التعاون الإقليمي في استيراد الحبوب والوقود بما يسهم في تخفيض التكاليف.
وختم عربش بتأكيد أن مستقبل اقتصادات المنطقة سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تحقيق التوازن بين المتغيرات الجيوسياسية ومتطلبات الأمن الاقتصادي والغذائي، مشيراً إلى أن أي تصعيد جديد في بؤر التوتر العالمية قد يفرض تحولات واسعة على خريطة الاقتصاد الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.