الحرية – حسيبة صالح:
تتقدّم النغمات في دار الأوبرا السورية كما لو أنها تمشي على ضوء خافت، تبحث عن مكانها بين جمهورٍ جاء محمّلًا بالشوق، وما إن يرفع المايسترو غسان العبود يده حتى يتغيّر الهواء في القاعة؛ يصبح أثقل قليلًا، أعمق، وكأن الموسيقا تستعد لرحلة لا تشبه أي ليلة عادية في دمشق.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن الفرقة السيمفونية الوطنية السورية لا تعزف فقط، بل تروي حكاية.. حكاية تبدأ من شمال أوروبا، تمرّ عبر سيبيليوس وخاتشاتوريان ومندلسون وبيتهوفن، ثم تستقرّ في قلب المدينة التي تعرف كيف تمنح الموسيقا معنى إضافيًا حين تُعزف على أرضها.
الحركات البطيئة كانت كأنها خطوات على ماء، ثم جاءت السرعات المعتدلة كنبضٍ يتّسع، قبل أن تشتعل الحيوية في القاعة وتتحوّل إلى موجة دفء كسرت برودة المساء، ومع افتتاحية كهف فينغال، بدا المشهد كأن البحر نفسه يقترب من دمشق ليضع مده على خشبة المسرح.
صوت الجمهور
في الاستراحة، التقت “الحرية” بـ”ليان 22 عامًا”، طالبة هندسة جاءت مع صديقتها. كانت تتأمل المسرح وتقول بصوتٍ مفعم بالدهشة: “لم أكن أتوقع أن أشعر بهذا القرب من الموسيقا، بدا لي كلُّ لحنٍ وكأنه يحكي قصة تخصّنا جميعًا، كانت الأمسية أشبه بحوار صامت بين القاعة والفرقة.”
وعند الباب الخارجي، كان أبو طارق، 58 عامًا، يصفّق وحده رغم انتهاء العرض، قال وهو يبتسم بثقة هادئة: “حضرت حفلات كثيرة في حياتي، لكن هذه الليلة حملت شيئًا مختلفًا. شعرتُ وكأن دمشق ترسل رسالة محبة وسلام إلى العالم، رسالة لا تحتاج إلى كلمات.”
يد تقود ومدينة تتنفس
ما فعله المايسترو غسان العبود لم يكن مجرد قيادة أوركسترالية، كان أشبه بفتح نافذة بين عالمين: عالمٌ يكتب موسيقاه هناك، وعالمٌ يسمعها هنا، في دمشق، لكن بنبض مختلف، ومع كل حركة من يده، كانت الفرقة تؤكد أنها قادرة على حمل هذا الجسر، وأنها ليست مجرد فرقة محلية، بل صوتٌ يمكنه أن يصل إلى أبعد من حدود المدينة.
خرج الجمهور وفي قلبه شيء يشبه الامتنان.. امتنان لأن الموسيقا ما زالت قادرة على أن تمنح دمشق لحظة جمال صافية، ولأن هذه الليلة حملت شيئًا من الغرب إلى الشرق، وشيئًا من دمشق إلى العالم.
تغادر الأصوات الخشبة، لكن أثرها يبقى. يبقى كوميضٍ صغير في الذاكرة، كدفءٍ يرافق الطريق إلى الخارج، وكوعدٍ بأن الموسيقا — مهما تغيّر العالم — ستظل قادرة على أن تفتح بابًا جديدًا للحياة، بابًا تعبر منه دمشق بثقة، وبصوتها الخاص.