الحرية– إلهام عثمان:
يقف المواطن السوري اليوم حائراً أمام لوحات الصرافة التي تبدّل أرقامها أكثر مما تبدّل ألوانها، وفي قاعات البنك المركزي المعاد تشكيله، يواجه صانع القرار واقعاً نقدياً بالغ التعقيد: سعر رسمي لا يعكس الحقيقة، وسوق موازية تفرض إيقاعها، وثقة منعدمة بكل ما هو ورقي، بين أنقاض نظامين -النظام السياسي البائد الذي انهار، والنظام الاقتصادي الذي دُمّرت أركانه بالحرب والعقوبات- يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لسوريا أن تخرج من عنق الزجاجة النقدي دون إعادة بناء ثقة المواطن والمؤسسة المالية معاً؟
إدارة طوارئ.. لا سياسة نقدية فاعلة
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديثه لـ«الحرية»، أن ما يُسمى بـ«السياسة النقدية» في سوريا اليوم ليس سياسة فاعلة بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى إدارة حالة طوارئ نقدية. ويوضح أن البنك المركزي الجديد «أو المعاد تشكيله» وجد نفسه أمام مشهد منقسم تماماً: سعر صرف رسمي واهم لا يعكس العرض والطلب، يُستخدم فقط للمعاملات الحكومية المقنّنة وبعض السلع، وسوق سوداء مهيمنة تُعد المحدد الحقيقي لقيمة الليرة، تستجيب للعوامل السياسية والأمنية وحركة الدولار النقدي، إضافة إلى كتلة نقدية هائلة خارج الجهاز المصرفي، حيث ثقة الجمهور معدومة بالقطاع المصرفي، والسيولة تفضّل التعامل النقدي أو التحوط بالدولار والذهب، ما يُعطّل فاعلية أي سياسة ائتمانية.
قوشجي: الاحتياطي المتبقي -إن وجد- مخصص لتأمين الغذاء والطاقة، وهو أشبه بـ”صندوق استيراد طوارئ” وليس غطاءً نقدياً
ضخ محدود وفائدة خيالية
في تحليل لآليات السياسة المتبعة، يوضح قوشجي أنها تتركز على محاولة إدارة الانحدار بدلاً من تحقيق الاستقرار، عبر ضخ محدود للعملة الصعبة لتمويل مستوردات الطاقة والغذاء الأساسية، وسياسة نقدية انكماشية غير معلنة عبر رفع سعر الفائدة على القروض إلى مستويات خيالية تصل إلى 20% أو أكثر، كمحاولة يائسة لامتصاص السيولة، لكن هذه السياسة ثبت فشلها؛ لأن نتيجة الاحتفاظ بالليرة أدت إلى المزيد من التضخم وانخفاض سعر الصرف، بسبب عدم القدرة على التحكم بالكتلة النقدية الكلية، إضافة إلى محاولات تدريجية لتوحيد سعر الصرف عبر تخفيضات متتالية للسعر الرسمي لمقاربته من سعر السوق الموازية، لكن دون امتلاك احتياطيات كافية للدفاع عنه.
أربعة تحديات جوهرية
يحدد قوشجي أربعة تحديات رئيسية تقف عقبة أمام أي إصلاح نقدي: الانقسام النقدي (اقتصاد مُدولر بالكامل، حيث التسعير والادخار والمعاملات الكبرى تتم بالدولار)، والاحتياطيات الصفرية (البنك المركزي لا يمتلك احتياطياً استراتيجياً للتدخل الفاعل، والمتبقي مخصص لتأمين الغذاء والطاقة فقط)، وغياب الإنتاج (القدرة التصديرية معدومة تقريباً، والتحويلات المالية من الخارج هي المصدر الوحيد غير المنتظم)، والبنية المصرفية المنهارة (القطاع المصرفي مفصول عن الاقتصاد الحقيقي، وميزانياته مثقلة بالديون المتعثّرة).
استقرار سعر الصرف.. شرط ضروري وليس كافياً
يكاد يجزم قوشجي بأن القول بالحفاظ على سعر الصرف وتحريك عجلة الاقتصاد في آن واحد هو «وهم اقتصادي» في الحالة السورية الراهنة.
ويشرح أنه لا يمكن تحريك عجلة الاقتصاد دون استقرار نسبي في سعر الصرف، ففي ظل سعر متقلب بعنف، لا يمكن لأي مستثمر حساب التكاليف والعوائد المستقبلية، وعندما تفقد الليرة وظيفتها كمخزن للقيمة تصبح عجلة الاقتصاد معطلة، مشدداً على أن الهدف ليس سعراً قوياً بل سعراً مستقراً وقابلاً للتنبؤ، حتى لو كان 15,000 ليرة للدولار، وهذا الاستقرار هو الشرط المسبق لأي تعافٍ اقتصادي، لكنه لا يمكن تحقيقه بالأدوات النقدية وحدها.
حزمة إصلاحات.. واللجنة النقدية كحل استثنائي
يعتبر قوشجي أن السياسات النقدية التقليدية وحدها غير كافية، والمطلوب هو حزمة إصلاحات شاملة متسلسلة تبدأ من خارج المصرف المركزي، ويقترح تأسيس «لجنة نقدية مؤقتة» (Currency Board) مستقلة، بإشراف فني دولي محايد وشفاف، تكون مسؤولة عن إدارة إصدار النقد بشكل صارم ومغطى بالعملات الأجنبية، لمنع تمويل عجز الدولة بالطابعة.
وتحت مظلة هذه اللجنة، يقترح اعتماد سعر صرف عائم مدار بصرامة مع سعر مرجعي موحد واقعي، وإلغاء إلزامية التسليم القسري للحوالات، وإلغاء الفائدة المرتفعة واستبدالها بشهادات إيداع بالدولار.
لا تعويم بلا احتياطي
في سياق متصل، أوضح الخبير الاقتصادي فادي حمد أن التعويم يعني اختفاء السعر الرسمي لصالح “سعر السوق”، حيث تتوقف قيمة العملة على العرض والطلب، لكن المخاطر الأساسية للتعويم في الاقتصادات الضعيفة تتمثل في تذبذب حاد في الأسعار وتضخم مرتفع، خصوصاً إذا لم تكن هناك احتياطيات كافية أو تدخل فعال من المصرف المركزي. وتبقى الليرة السورية عنواناً لحالة نقدية تتأرجح بين منطق السوق وأدوات الدولة الباحثة عن موطئ قدم. فالخبير قوشجي يضع الحقيقة مجردة: لا تعويم بلا احتياطي، ولا استقرار بلا ثقة، ولا إصلاح نقدي دون حزمة متكاملة تبدأ من خارج جدران البنك المركزي.
في النهاية، يبقى السؤال الأصعب معلقاً في سماء الاقتصاد السوري: هل نملك الإرادة السياسية والمؤسساتية لبناء «لجنة نقدية» شفافة، أم أن الليرة ستظل رهينة الماضي الذي لا يُغادر؟