الحرية_ رشا عيسى:
تقف سوريا على تخوم تحوّل اقتصادي يتقدمه سوق العمل محاولاً التعافي،حيث لايزال
عالقاً بين “تشوّهات بنيوية عميقة”ورهانات غير مكتملة، في وقت تؤكد فيه وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن السياسات التشغيلية تواجه تحديات مركبة متعددة.
فبعد سنوات طويلة من الانكماش الاقتصادي، وتآكل الأجور الحقيقية، واتساع رقعة العمل غير المنظم الذي يتجاوز 70% من إجمالي التشغيل، وضعف الحماية الاجتماعية التي لا تشمل سوى أقل من 30% من العاملين، تحول ملف التشغيل إلى مدخل أساسي لفهم مسار الاقتصاد وحدود إمكانات تعافيه.
بناء استراتيجية
يؤكد مدير مديرية سوق العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل جميل العثمان لـ”الحرية” أن السياسات الحالية تتجه نحو بناء استراتيجية وطنية شاملة للتشغيل بالشراكة مع القطاعين العام والخاص والمنظمات الدولية.
وتشمل هذه المقاربة ربط التدريب باحتياجات سوق العمل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير منظومة معلومات سوق العمل، وتمكين الشباب والنساء والفئات الأكثرهشاشة اقتصادياً، بهدف تحسين قابلية التشغيل وإيجاد فرص عمل مستدامة.
كما أعلنت الوزارة عن إطلاق ورشة عمل في دمشق بالتعاون مع صندوق التنمية السوري ومنظمة العمل الدولية لتصميم “البرنامج الوطني للأشغال العامة”، والذي يهدف إلى توفير فرص عمل قصيرة الأجل، ودعم التعافي الاقتصادي، وإعادة تأهيل البنية التحتية.
تحديات هيكلية
وتؤكد الوزارة أن سوق العمل يواجه تحديات مركّبة، أبرزها ضعف النمو الاقتصادي، ومحدودية الاستثمارات، وفجوة المواءمة بين التعليم وسوق العمل، و توسع القطاع غير الرسمي، وصعوبة وصول المشاريع الصغيرة إلى التمويل.
كما تعمل الوزارة _ وفقاً للعثمان_ على معالجة هذه التحديات عبر برامج تشغيل موجهة وسياسات قائمة على البيانات، إلى جانب دمج مراكز التشغيل مع التدريب المهني لتوجيه المهارات وفق احتياجات السوق الفعلية.
من الإقصاء إلى الدمج
في التعامل مع القطاع غير الرسمي، يؤكد العثمان أن الوزارة تعتمد نهجاً تدريجياً يقوم على التنظيم والدمج بدلاً من العقوبة، عبر تشجيع الانتقال الطوعي إلى الاقتصاد المنظم، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتقديم حوافز وتشريعات وإعفاءات لتسهيل هذا الانتقال.
سياسات قيد التشكّل
بالمقابل، يشير الباحث في الإحصاء والدراسات السكانية الدكتور جمعة حجازي في حديث لـ “الحرية” إلى أن السياسات التشغيلية في سوريا تُصاغ عبر بنية مؤسساتية متعددة تشمل وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والاقتصاد وهيئات التخطيط والإحصاء، إلى جانب مساهمات دولية، إلا أن الإشكال الجوهري يبقى في ضعف القاعدة الإحصائية ، فغياب مسوح دورية شاملة للقوى العاملة وعدم انتظام تحديث البيانات جعلا من السياسات أقرب إلى إدارة تقديرية منها إلى تخطيط قائم على الأدلة.
ورغم إطلاق مسوح جديدة، فإن التحدي لا يزال قائماً في بناء نظام بيانات قادر على رصد سوق عمل متغير ومعقد، حيث لا تعكس المؤشرات الحالية الصورة الكاملة للبطالة أو التشغيل.
مؤشرات ضاغطة
وفق تقديرات المنظمات الدولية التي يستند إليها حجازي، فإن المشهد يعكس اختلالاً واضحاً،
حيث نسبة مشاركة النساء لا تتجاوز 24%، فيما تبقى بطالة الشباب مرتفعة، ويقع جزء كبير من القوى العاملة ضمن فئة “العمل الهش” أو غير النظامي، كما تشير التقديرات إلى أن نحو ربع السكان النشطين اقتصادياً يعانون من بطالة مباشرة أو مقنّعة.
ويبرز كذلك ضعف التغطية التأمينية، ما يجعل سوق العمل واحداً من أكثر الأسواق هشاشة في المنطقة.
اقتصاد بلا انسجام
يرى حجازي أن الانسجام بين السياسات الاقتصادية وسياسات التشغيل لا يزال جزئياً، فالتضخم المرتفع، وتراجع الاستثمار العام، وضعف البنية التحتية، وتآكل رأس المال، كلها عوامل تحد من قدرة الاقتصاد على توليد وظائف مستقرة.
ومع ذلك، يشير إلى تحول تدريجي في الخطاب الاقتصادي نحو ربط النمو بقطاعات كثيفة العمالة مثل الزراعة والبناء والصناعة الخفيفة والخدمات المحلية، باعتبارها الأكثر قدرة على امتصاص اليد العاملة.
بطالة لا تكشف الصورة
الباحث في الإحصاء يحذر من الاعتماد على معدل البطالة وحده، معتبراً أنه يخفي وراءه انسحاباً واسعاً من سوق العمل، وتوسعاً في الاقتصاد غير المنظم، وبطالة مقنّعة منخفضة الإنتاجية.
لذلك يدعو إلى اعتماد مؤشرات أوسع تشمل المشاركة الاقتصادية، ونسبة التشغيل إلى السكان، والأجور الحقيقية، والتغطية الاجتماعية، وجودة الوظائف، باعتبارها المؤشرات الأكثر تعبيراً عن الواقع الفعلي.
اختلالات بنيوية
وفي ذات السياق يكشف تحليل حجازي عن مجموعة اختلالات أبرزها، هيمنة العمل غير المنظم بنسبة تفوق 70%، وضعف مشاركة النساء كما ذكر سابقاً أي (أقل من 24%)، وانخفاض التغطية الاجتماعية (أقل من 30%)، وانتشار منشآت صغيرة وهشة تمثل نحو 80% من النشاط الاقتصادي، وفجوة مهارية حادة بين التعليم وسوق العمل، وتفاوت جغرافي كبير في فرص التشغيل بين المحافظات.
ويضيف أن سوق العمل لا يعمل كسوق واحدة، بل كسلسلة أسواق محلية غير مترابطة، تتأثر بالدمار والبنية التحتية والهجرة الداخلية.
بين الكمّ والنوع
وهنا يشدد حجازي على أن الأزمة كمية ونوعية،فإلى جانب بطالة تُقدّر بنحو 25% من القوى العاملة، هناك مشكلة أعمق تتمثل في طبيعة الوظائف نفسها، أي منخفضة الأجر، غير مستقرة، وبلا حماية قانونية أو اجتماعية.
وبالتالي، فإن إيجاد وظائف جديدة دون تحسين جودتها قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر بدلاً من معالجته.
اقتصاد الهشاشة
من الأفكار المركزية التي يطرحها حجازي أن جزءاً كبيراً من التشغيل الحالي لا يقود إلى نمو اقتصادي حقيقي، بل إلى ما يمكن تسميته “اقتصاد الهشاشة”، حيث يعمل الأفراد ضمن أنشطة منخفضة الإنتاجية لا تتيح تراكم رأس المال أو تحسين مستوى المعيشة.
كما يشير إلى أن غياب الربط بين التعليم وسوق العمل يفاقم الأزمة، إذ تتخرج أعداد كبيرة من الشباب في تخصصات لا تتناسب مع الطلب الفعلي في الاقتصاد.
أدوات محدودة الأثر
تتنوع أدوات السياسات التشغيلية بين التدريب، والأشغال كثيفة العمالة، وإصلاح التشريعات، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. إلا أن فعاليتها تبقى محدودة حين تُستخدم بشكل منفصل.
ويعتبر حجازي أن الأشغال كثيفة العمالة المرتبطة بإعادة الإعمار هي الأكثر فاعلية نسبياً، لأنها توفر دخلاً سريعاً وتوجد أثراً اقتصادياً مباشراً، بينما يبقى التدريب غير المرتبط بالطلب الحقيقي أقل تأثيراً.
تحت الضغط
الباحث حجازي يرى أن القطاع الخاص يمثل نحو 80% من النشاط عبر المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لكنه يواجه قيوداً كبيرة تتعلق بالتمويل، والتضخم، وضعف البنية التحتية، وعدم الاستقرار القانوني.
ورغم ذلك، يبقى القطاع الخاص ركيزة أساسية في أي عملية تعافٍ محتملة، خصوصاً في ظل محدودية قدرة الدولة على الاستثمار المباشر.
عوائق بنيوية
ومن العوائق الأساسية أمام توسع الأعمال يأتي ضعف البيئة التنظيمية، عدم اليقين القانوني، وتآكل رأس المال العامل، وضعف البنية التحتية، الفجوة المهارية، وغياب الحماية الاجتماعية الفعالة. كما أن ضعف الثقة الاستثمارية يحد من تدفق رؤوس الأموال ويؤخر إيجاد فرص العمل.