التضخم في سوريا يحمل تداعيات خطيرة على قطاعي التعليم والصحة لا تقل خطورة عن القطاعات الاقتصادية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – مركزان الخليل

لا أحد يستطيع تجاهل خطورة «التضخم» على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وما يحمله من تداعيات تشكل في جوهرها أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول والمواطنين على حد سواء، فهو لا يؤثر فقط على القوة الشرائية للأفراد، بل يمتد تأثيره ليصل إلى القطاعات الحيوية مثل التعليم والرعاية الصحية، وارتفاع الأسعار يقلل من قدرة الأسر على الاستثمار في تعليم أبنائها، ويزيد من صعوبة الحصول على خدمات صحية جيدة.

تراجع القدرة الشرائية للأسرة السورية

«الحرية» ألقت الضوء على هذا الجانب المهم من تأثيرات التضخم على قطاعي التعليم والرعاية الصحية، مع العديد من الفعاليات والهيئات التدريسية التي أكدت في معظمها ما تواجهه المؤسسات التعليمية والصحية في سوريا من تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع معدلات التضخم.
المدرسة رفيقة إبراهيم ترى أن التضخم انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر، وجودة الخدمات التعليمية، وأسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، وهذا الرأي يمثل آراء الكثير من العاملين في قطاعي التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب حلولاً سريعة وفعالة لضمان استمرارية الخدمات وتحسين جودة التعليم والرعاية الصحية.

ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية

وضمن هذا السياق، أوضح عدد من المديرين والمعلمين خلال جولة «الحرية» على بعض مدارس دمشق، إذ أكد علي ظروف، أن ارتفاع أسعار اللوازم المدرسية والكتب الدراسية أثر على قدرة الأسر في تأمين المستلزمات الأساسية لأبنائها، ما أدى إلى زيادة الضغوط المالية عليهم، أما المعلمة ترياق الحمد في إحدى المدارس الحكومية بدمشق فأكدت ملاحظة في غاية الخطورة تكمن في أن بعض الطلاب لم يتمكنوا من شراء الكتب والأدوات الدراسية، وهذا يؤثر على تقدمهم الدراسي ويزيد من معدل التسرب، دون تجاهل مسألة مهمة جداً ترويها عفاف الراضي مديرة مدرسة، أن أجور المعلمين لم تواكب ارتفاع التضخم، ما أثر على قدرة بعضهم على الاستمرار في العمل، بينما لجأت بعض المدارس إلى برامج دعم محلية لتخفيف العبء عن الأسر.

ارتفاع أسعار الأدوية وضعف القدرة على تحديث المعدات الطبية

أما في الجانب الصحي، فلا يختلف الأمر كثيراً عما هو عليه في القطاع التعليمي، فمعظم الأطباء والصيادلة الذين التقتهم «الحرية» ومنهم الدكتور مازن صقر، والصيدلانية حلا عيسى، أوضحوا أن التضخم أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، ما أثر على قدرة المرضى على الحصول على الرعاية اللازمة، دون تجاهل تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة والأدوية اللذين أديا إلى صعوبات في تقديم الخدمات الصحية بالمستوى المطلوب، كما أثرا على القدرة على تحديث الأجهزة والمعدات الطبية.
والأخطر أن أجور الكوادر الطبية لم تواكب ارتفاع الأسعار، ما يضع ضغوطاً إضافية على الحفاظ على الطواقم المتخصصة.

زيادة في التكاليف وضغوط تضخمية

وبالعودة إلى حالات التأثير التي يتركها «التضخم» على القطاعات المذكورة من منظورها الاقتصادي والاجتماعي، يؤكد الخبير الاقتصادي وائل الحسن أن التضخم في سوريا لا ينعكس فقط على الأسعار اليومية، بل يعيد تشكيل قطاعات حيوية مثل التعليم والرعاية الصحية بطرق عميقة وممتدة.
ويضيف إن التضخم المستمر في سوريا يرفع تكاليف التعليم والصحة، ويقلص القدرة الشرائية للأسر، ويضعف جودة الخدمات، ما يؤدي إلى فجوات اجتماعية أكبر وتراجع في رأس المال البشري، وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان، بدليل ما سجله مؤشر الأسعار الاستهلاكية في بداية عام 2026 من ارتفاع شهري بنسبة 0.8%، مع زيادات واضحة في قطاعات مثل الغذاء والصيانة المنزلية.
كما ارتفعت أسعار التعليم والصحة بنسبة 0.6% لكل منهما، ما يعكس انتقال الضغوط التضخمية إلى الخدمات الأساسية.
وأضاف الحسن إن هذه الأرقام تخفي وراءها واقعاً أكثر تعقيداً، إذ تؤدي سياسات تشديد السيولة وإصدار العملة الجديدة إلى زيادة تكاليف النشاط الاقتصادي اليومي للأسر والمنتجين الصغار.

تأثير التضخم على قطاع التعليم

واضحة هي التأثيرات التي يتركها التضخم على قطاع التعليم، حيث نشهد ارتفاع تكاليف التعليم وأسعار المستلزمات المدرسية والنقل والرسوم التعليمية وصيانة المدارس، ومع تراجع الدخل الحقيقي للأسر، يصبح إرسال الأطفال إلى المدرسة عبئاً مالياً متزايداً، وهذا الأمر يؤدي إلى حالات تسرب ضخمة أكدتها تقارير «يونيسف»، حيث يوجد 2.4 مليون طفل خارج المدرسة في 2022، و1.6 مليون طالب مهددين بالتسرب، وهي أرقام تتفاقم مع الأزمة الاقتصادية.

تراجع جودة التعليم

تراجع هذه الجودة ليس بالأمر السهل، فهو يرتبط بعدة عوامل هي نتيجة مباشرة لمفاعيل التضخم، في مقدمتها نقص التمويل الذي يؤدي إلى تدهور البنية التحتية، وانخفاض رواتب المعلمين يقلل من الاستقرار الوظيفي وجودة التدريس، وتضخم التكاليف التشغيلية يحد من قدرة المدارس على توفير البيئة التعليمية المناسبة، الأمر الذي يؤدي إلى خسائر اقتصادية طويلة الأمد منها عدم الاستثمار في التعليم، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان رأس المال البشري وضعف الإنتاجية المستقبلية وزيادة معدلات الفقر.

التضخم وقطاع الرعاية الصحية

الحال ذاتها تنطبق على قطاع الرعاية الصحية، حيث يؤكد الحسن مجموعة من الحقائق في مقدمتها ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية، وبالتالي مع ارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية تصبح الرعاية الصحية أقل قدرة على الوصول للفئات الضعيفة، إلى جانب تدهور البنية الصحية من استهداف المنشآت الصحية خلال النزاع الذي أدى إلى ضعف النظام الصحي.
وبالتالي من منظور اقتصادي، فالتضخم في سوريا يعمل كعامل مضاعف للأزمات، ويقلص قدرة الدولة والأسر على تمويل التعليم والصحة، ويعمق الفجوات الاجتماعية عبر حرمان الفئات الأكثر هشاشة من الخدمات الأساسية، كما يهدد مستقبل التنمية عبر إضعاف رأس المال البشري، وهو المحرك الأساسي لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.
والحقيقة الصعبة التي يؤكدها الجميع أن التضخم في سوريا ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل أزمة اجتماعية تهدد جيلاً كاملاً ومستقبل البلاد.

Leave a Comment
آخر الأخبار