«قنسرين» تستعيد بريقها الأثري.. تحركات لحماية إرث العيس وتحويله إلى رافعة سياحية واقتصادية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – جهاد اصطيف:

تتجه الأنظار مجدداً إلى المواقع الأثرية في ريف حلب الجنوبي، بعد زيارة ميدانية أجراها وفد من مديرية الآثار والمتاحف في حلب إلى منطقة العيس الأثرية في قنسرين، في خطوة تهدف إلى تقييم واقع المواقع التاريخية ووضع أسس عملية لحمايتها من التعديات والتنقيب العشوائي. وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل تنامي الحديث عن دور التراث الثقافي في تنشيط الاقتصاد المحلي وفتح آفاق استثمار سياحي مستقبلي للمنطقة.

ويُعد موقع العيس «قنسرين» من أبرز المواقع الأثرية في شمال سوريا، نظراً لاحتوائه على طبقات استيطان متعاقبة تعود إلى العصر البرونزي وصولاً إلى الفترات الإسلامية المتأخرة، ما يمنحه قيمة تاريخية وعلمية كبيرة.

وخلال الجولة، اطلع الوفد على عدد من الأوابد والمواقع الأثرية المنتشرة في المنطقة، وناقش مع الجهات المحلية آليات الحماية والحفاظ على الإرث الحضاري، إضافة إلى وضع تصورات أولية لتوثيق المواقع وتأمينها من عوامل التخريب.

جهود الحماية والتوعية

وقالت مسؤولة المواقع الأثرية في ريف حلب بمديرية الآثار والمتاحف، ذكية عبد الحي، في تصريح إعلامي، إن موقع العيس الأثري غني عن التعريف، والجولة تأتي ضمن الجهود والتعاون المبذول بين مديرية آثار ومتاحف حلب وإدارة المنطقة والجهات المعنية. وأوضحت أنه تم تعيين حارس للموقع منذ فترة قريبة للحد من التعديات، نظراً لأهمية الموقع الكبيرة.

وأضافت أن موقع العيس يمثل حالة استيطان متواصلة من الفترة البرونزية حتى الفترات الأموية، وتكمن أهميته في استمرار السكن فيه رغم فترات الانقطاع البسيطة، مشددة على أهمية توعية المجتمع المحلي للحفاظ على التراث بالتعاون بين مديرية الآثار وإدارات المناطق.

أهمية تاريخية وعسكرية

من جهته، أكد رئيس دائرة التنقيب في المديرية، عبد الرزاق القصير، أن موقع العيس من المواقع المهمة جداً، إذ تعود آثاره إلى الفترة البرونزية الوسطى حتى نهاية الفترة المملوكية والإسلامية، مشيراً إلى أن الموقع شكل نقطة ومركزاً عسكرياً مهماً بسبب موقعه بين أنطاكيا وحلب.

وأوضح القصير أن أعمال الكشف الأخيرة أظهرت وجود تنقيبات كثيرة وتخريب طال الطبقات الأثرية والأرضيات ولوحات الفسيفساء، معتبراً أن ذلك يستدعي الحفاظ على هذا الإرث الحضاري الغني، خاصة من قبل أبناء المنطقة. وأضاف: «نأمل من أبناء المنطقة أن يمتلكوا الوعي الكافي للحفاظ على المواقع الأثرية وصون هذا الإرث الغني لمنطقتهم».

مطالب أهالي المنطقة

بدورهم، شدد عدد من أهالي المنطقة على ضرورة وقف أعمال التنقيب غير الشرعية، مؤكدين أن الحفاظ على آثار قنسرين يمكن أن يحول المنطقة مستقبلاً إلى وجهة سياحية مهمة على مستوى شمال سوريا، بما ينعكس إيجاباً على الواقع الاقتصادي والخدمي.

آفاق استثمارية وسياحية

وفي قراءة لأهمية الموقع، أوضح خبراء آثار أن المواقع الأثرية في قنسرين والعيس تمثل قيمة تاريخية، وتمتلك أيضاً إمكانات اقتصادية كبيرة إذا ما أعيد تأهيلها وإدراجها ضمن مسارات السياحة الثقافية، مشيرين إلى أن حماية هذه المواقع اليوم تعني الحفاظ على مورد تنموي مستقبلي يمكن أن يوفر فرص عمل ويعيد تنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة.

دورة تدريبية متخصصة

وفي سياق متصل، افتتحت مديرية آثار ومتاحف حلب، بالتعاون مع جامعة فلورنسا واليونسكو، دورة تدريبية متخصصة تستمر ثلاثة أشهر، تستهدف طلاب وخريجي قسم الآثار في جامعة حلب إلى جانب كوادر المديرية. وتتضمن الدورة التدريب على توثيق اللقى الأثرية ضمن قواعد بيانات متكاملة، والتصوير التقليدي وثلاثي الأبعاد، إضافة إلى أساليب التغليف والحفظ والأرشفة الإلكترونية، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات الكوادر المحلية في مجال حماية التراث وإدارته وفق المعايير الحديثة.

تعكس هذه التحركات المتسارعة إدراكاً متزايداً لأهمية التراث الثقافي بوصفه مورداً اقتصادياً وتنموياً، إلى جانب قيمته التاريخية والحضارية. وبين جهود الحماية والتدريب والتوعية المجتمعية، تبدو قنسرين أمام فرصة حقيقية لاستعادة مكانتها التاريخية وتحويل إرثها الأثري إلى عنصر دعم للاستقرار والتنمية في ريف حلب الجنوبي.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار