الحرية – رشا عيسى:
تدخل سوريا مرحلة انفتاح اقتصادي عنوانه إعادة الإعمار. يبدو هذا المشهد الأكثر وضوحاً، ولكن خلفه مباشرة يوجد مشهد آخر أكثر عمقاً، يدور حول الوكالات التجارية بوصفها واحدة من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد. فالقضية لم تعد مرتبطة بحقوق الاستيراد والتوزيع فقط، بل بمن سيسيطر على بوابات السوق، ومن سيحتفظ بالقيمة الاقتصادية داخل البلاد.
من هذه الزاوية، يرى الباحث الاقتصادي والمستشار في إدارة التحول، الدكتور ياسين العلي، في حديث لـ«الحرية»، أن ملف الوكالات التجارية هو أحد أخطر الملفات المرتبطة بإعادة بناء الدولة والاقتصاد معاً، وأن القضية تتجاوز بكثير مسألة «الاستيراد والتوزيع» لتصل إلى صلب مفهوم السيادة الاقتصادية الحديثة، محذراً من أن «الوكالات التجارية قد تصبح واحدة من أخطر أدوات إعادة تشكيل النفوذ داخل الاقتصاد السوري خلال العقود المقبلة».
اقتصاد ما بعد الحرب
تشير التوقعات اليوم إلى أن كلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة، ما يعني إعادة تشكيل واسعة للدورة الاقتصادية عبر شبكات الوكالات التجارية وسلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بها.
مجرد استيراد
بحسب العلي، فإن اختزال الوكالات التجارية بدور «المستورد» فقط يُعد قراءة سطحية لطبيعة الاقتصاد الحديث. فالشركات التي تمتلك الوكالات الكبرى لا تسيطر فقط على بيع المنتجات، بل تتحكم أيضاً بشبكات الصيانة وقطع التبديل وخدمات ما بعد البيع والتمويل وسلاسل الإمداد وبيانات السوق. ويشير إلى أن السيطرة على هذه البوابات تمنح أصحابها نفوذاً مباشراً على الأسعار وأنماط الطلب وحتى على البنية المستقبلية للإنتاج المحلي نفسه، ما يجعلها جزءاً من «البنية العميقة للأسواق الوطنية»، لا مجرد نشاط تجاري تقليدي. لذلك، فإن ترك هذه القطاعات لشبكات خارجية يعني نقل جزء كبير من القيمة المضافة والثروة الوطنية إلى الخارج، وتحويل الاقتصاد المحلي إلى سوق استهلاكية أكثر منه اقتصاداً منتجاً.
معركة النقد الأجنبي
تزداد حساسية الملف، وفق العلي، في قطاعات السيارات والآليات والمعدات الثقيلة والطاقة، نظراً لارتباطها بتدفقات ضخمة ومستمرة من العملات الأجنبية. ويشير إلى أن عدداً من الدول، من بينها اقتصادات خليجية وآسيوية، اعتمدت تشريعات تمنح الأفضلية لرأس المال الوطني في التمثيل التجاري للقطاعات الاستراتيجية، ليس بدافع الحماية التقليدية، بل ضمن سياسات اقتصادية كلية تهدف إلى حماية احتياطيات النقد الأجنبي والحد من تسرب رأس المال إلى الخارج.
نماذج
يستعرض العلي نماذج من السعودية والإمارات وكوريا الجنوبية واليابان، حيث لم تتحول الوكالات التجارية إلى أدوات استيراد فقط، بل إلى منصات لبناء تكتلات اقتصادية وطنية كبرى امتدت إلى الصناعة والخدمات اللوجستية والتمويل. ففي كثير من التجارب الدولية، تطورت وكالات السيارات مثلاً إلى شبكات متكاملة تضم خدمات الصيانة والتمويل الاستهلاكي والتدريب والتجميع الصناعي، وصولاً إلى نقل التكنولوجيا والتوطين التدريجي للصناعة.
خطر الريع والاحتكار
في الوقت نفسه، يحذر العلي من أن الملكية الوطنية وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد صحي، معتبراً أن «السوق سيئة الحوكمة قادرة على إعادة إنتاج الهشاشة نفسها حتى تحت شعارات السيادة الاقتصادية». ويؤكد أن غياب قوانين المنافسة والشفافية والرقابة المؤسسية قد يحول السياسات الحمائية إلى بنى ريعية مغلقة تخدم مصالح ضيقة، بدلاً من تعزيز القدرة الإنتاجية الفعلية.
يطرح العلي ما يسميه نموذج «السيادة الاقتصادية التنافسية»، وهو نموذج يقوم على إعطاء الأولوية لرأس المال الوطني المنتج، مع فتح المجال أمام الشراكات الدولية المرتبطة بنقل المعرفة والخبرة. ويقترح ربط منح الوكالات التجارية الاستراتيجية بشروط واضحة وقابلة للقياس، مثل نسب التوظيف المحلي، وإنشاء مراكز تدريب تقنية، وتطوير البنية التحتية للصيانة، وفرض متطلبات لنقل التكنولوجيا، وتحقيق أهداف تدريجية للتوطين الصناعي. ويضيف أن المطلوب ليس اقتصاداً مغلقاً، بل «إدارة الانفتاح وفق شروط وطنية تحافظ على القيمة داخل الاقتصاد السوري».
إعادة بناء المجتمع
لا يربط العلي هذا الملف بالاقتصاد فقط، بل يعتبره جزءاً من إعادة بناء الاستقرار الاجتماعي نفسه. فاقتصاد قادر على إيجاد عمل وتوسيع القاعدة الإنتاجية سيكون أكثر قدرة على استيعاب جزء من الكفاءات والعمالة السورية الموجودة خارج البلاد. ويشير إلى أن توسع قطاعات الخدمات اللوجستية والصيانة والتصنيع والخدمات التقنية المرتبطة بإعادة الإعمار قد يشكل مدخلاً لإعادة دمج شرائح واسعة من السوريين العائدين ضمن الدورة الاقتصادية الجديدة.
أبعاد إقليمية
يرى الخبير الاقتصادي أن نجاح سوريا في بناء اقتصاد أكثر استقراراً وإنتاجية لن يبقى شأناً داخلياً فقط، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على دول الجوار وأوروبا، في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بملف اللاجئين. فإعادة بناء اقتصاد منتج ومستقر قد تتحول، بحسب وصفه، إلى مساهمة بنيوية في إعادة التوازن الديموغرافي والاستقرار الاقتصادي في شرق المتوسط.
الأسواق تصنع النفوذ
يؤكد العلي أن معارك الدول الخارجة من الحروب لا تُحسم فقط على الجبهات العسكرية، بل أيضاً داخل الأسواق ومن يملك مفاصلها. ويشهد العالم انتقال النفوذ من الجيوش إلى سلاسل التوريد والأسواق وشبكات التوزيع، ما يجعل مسألة الوكالات التجارية جزءاً من معركة السيادة الاقتصادية نفسها.