توحيد المعايير في المؤسسات العلمية البحثية ضرورة.. والخلل يخيم على ميزان التقييم البحثي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – محمد زكريا:

مضت عقود من الزمن على تأسيس المؤسسات العلمية البحثية في سوريا، ولم تستطع هذه المؤسسات مجتمعة إلى الآن توحيد معاييرها العلمية، ولا تزال رهينة النشر الكمي للأبحاث دون النظر في التأثير والجودة، الأمر الذي من شأنه إضعاف القيمة العلمية لهذه الأبحاث، كما يقلل من حضورها على المستوى العالمي.
ومن هذا المنطلق، يُعد تقييم الأداء البحثي للباحثين أمراً جوهرياً في تطوير البحث العلمي، حيث تعتمد المؤسسات الأكاديمية والبحثية العالمية على مقاييس محددة لتحديد مدى تأثير الباحث وإنتاجه العلمي.
ومن بين أهم هذه المقاييس معامل هيرش (h-index) ومؤشرHI، اللذان يقيسان الإنتاج العلمي للباحث وتأثيره من خلال عدد الاستشهادات التي تحظى بها أبحاثه، هذه المؤشرات لا تقتصر على عدد الأوراق البحثية المنشورة، بل على جودة وتأثير تلك الأبحاث، ما يجعلها أدوات أكثر دقة وموضوعية في تقييم النشاط البحثي.

مصداقية التقييم

لكن للأسف في سوريا، وحسب عدد كبير من الباحثين المحليين، فإن معايير التقييم في المؤسسات البحثية السورية لا تزال تعتمد بشكل أساسي على عدد الأبحاث المنشورة دون الأخذ بعين الاعتبار تأثيرها العلمي الحقيقي.
وبالتالي، فإن توحيد المقاييس في التوصيف العلمي داخل المؤسسات البحثية السورية يُعد خطوة ضرورية لضمان تقييم عادل ودقيق لنشاط الباحثين. فهذا المنهج لا يساعد فقط في تحديد مدى مساهمة الباحثين في إنتاج المعرفة، بل يعزز أيضاً من مصداقية التقييم الأكاديمي، ويؤثر إيجابياً على قرارات الترقية الأكاديمية ومنح التمويل واستراتيجيات البحث العلمي.
كما إن إدراج هذه المعايير من شأنه أن يشجع الباحثين على التركيز على جودة أبحاثهم بدلاً من السعي لنشر أكبر عدد ممكن من الأوراق البحثية دون مراعاة التأثير العلمي الفعلي لها.

غياب المعايير الحقيقية

عضو لجان التحكيم للأبحاث العلمية، الدكتور مصطفى الزهري، أشار في حديثه لـ«الحرية»، إلى أن المعايير الحقيقية التي تعكس جودة وتأثير الأبحاث غير مدرجة في أنظمة التقييم في معظم المؤسسات البحثية والجامعات السورية، ما يحد من تطوير البحث العلمي ويجعل التقييم أقل دقة.
وأوضح أنه توجد في سوريا معايير عامة لتقييم الباحثين، لكنها تختلف في التفاصيل بين المؤسسات البحثية، فبحسب القانون رقم 14، فإن معايير التقييم قد تتباين وفقاً لخصوصية كل مؤسسة بحثية، ما يعني أن لكل مؤسسة حرية وضع معاييرها الخاصة طالما أنها تلتزم بالإطار العام المذكور في القانون، لكن وحسب الزهري المشكلة تكمن في أن القانون المذكور يمنح مجالس إدارات المؤسسات البحثية حرية تحديد المعايير التفصيلية، وهذا يؤدي إلى غياب توحيد المعايير العلمية الدقيقة التي تقيس الأثر الحقيقي للباحث.
ويوضح الزهري أن بعض المؤسسات لا تزال تعتمد بشكل أساسي على عدد الأبحاث المنشورة دون الأخذ بعين الاعتبار جودة الأبحاث وتأثيرها الفعلي في الوسط العلمي، وهو ما يجعل التقييم غير متوافق مع المعايير العالمية الحديثة التي تعتمد على مدى الاستشهاد بالأبحاث وجودتها العلمية.
وأضاف أن هذا الوضع يستدعي إدراج مؤشرات التأثير العلمي، مثل h-index وHI، كجزء أساسي من معايير تقييم الباحثين في سوريا، ما يضمن قياس الأثر العلمي الحقيقي بدلاً من الاكتفاء بعدد الأوراق البحثية المنشورة فقط، كما إن توحيد معايير التقييم بين المؤسسات البحثية والجامعات سيساعد في خلق بيئة أكثر شفافية وإنصافاً، ويشجع الباحثين على التركيز على جودة أبحاثهم وتأثيرها العلمي بدلاً من مجرد النشر الكمي.

إجراءات استراتيجية

من جهته، أبدى عضو لجان التقييم في إحدى المؤسسات البحثية، الدكتور محمد المحمد، استغرابه من حالة الفوضى التي تشهدها تلك المؤسسات البحثية لجهة عدم وجود توحيد للمعايير العلمية فيما بينها.
وأوضح أنه لضمان تطور البحث العلمي في سوريا، لا بد من اتخاذ إجراءات استراتيجية تتضمن إدراج معامل هيرش ومؤشرات التأثير العلمي في التقييم الأكاديمي، بحيث يتم قياس جودة الأبحاث وتأثيرها الحقيقي بدلاً من الاعتماد فقط على عدد المنشورات، إضافة إلى تعزيز مهارات اللغة الإنجليزية لدى الباحثين، ما يسهل عليهم الوصول إلى الأبحاث الحديثة ونشر أبحاثهم في مجلات عالمية مرموقة، مع تشجيع النشر العلمي في مجلات دولية والتعاون مع باحثين من مؤسسات عالمية، ما يزيد من انتشار الأبحاث السورية ويعزز الاعتراف بها على مستوى أوسع. فضلاً عن تحفيز الباحثين على متابعة أحدث الأبحاث والتقنيات عبر منصات النشر العلمي، والاستفادة من قواعد البيانات العالمية مثل Scopus وWeb of Science.

تحول حقيقي

أمام ما تم ذكره، فإن تطوير البحث العلمي في سوريا يتطلب تحولاً حقيقياً في آليات التقييم الأكاديمي، بحيث يتم التركيز على تأثير البحث وجودته بدلاً من اعتباره مجرد رقم في قائمة المنشورات.

إضافة إلى ضرورة إزالة العوائق اللغوية من خلال تحسين مهارات اللغة الإنجليزية لدى الباحثين، ما سيؤدي إلى رفع مستوى الأبحاث المنشورة وزيادة تأثيرها عالمياً.
وعليه، فإن امتلاك الباحثين للأدوات الصحيحة، سواء كانت مؤشرات تقييم علمية دقيقة أو مهارات لغوية متقدمة، سيضمن لهم موقعاً متقدماً في الساحة العلمية العالمية.

Leave a Comment
آخر الأخبار