الأضحية لمن يستطيع.. وأسواق العيد بلا مشترين

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية– نهلة أبوتك:

«الخروف يبدأ من أربعة ملايين ونصف».. عبارة كانت كافية ليغادر أبو أحمد سوق المواشي مكتفياً بالنظر، لم يكن يبحث عن النوع الأفضل أو الوزن الأكبر، بل كان يحاول فقط معرفة إن كانت الأضحية ما تزال ضمن حدود الممكن بالنسبة لعائلته، لكن الأسعار هذا العام بدت أبعد من قدرة كثير من الأسر السورية، مع وصول أسعار بعض الأضاحي إلى ما بين 4.5 و6 ملايين ليرة سورية.

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو أسواق المواشي في عدد من المحافظات السورية مزدحمة بالمتفرجين أكثر من المشترين، في وقت ارتفعت فيه أسعار المواشي بشكل ملحوظ مقارنة بالمواسم السابقة، رغم تحسن المراعي هذا العام مقارنة بسنوات الجفاف الماضية.

وبحسب جولات في أسواق دمشق واللاذقية وحلب، تشهد الأسواق السورية ارتفاعات كبيرة في أسعار الأغنام والعجول، إذ تجاوزت أسعار بعض العجول 25 مليون ليرة سورية، الأمر الذي دفع كثيراً من العائلات إلى الاتجاه نحو المشاركة الجماعية في الأضاحي أو تقليص حجم الإنفاق المرتبط بالعيد.

ويؤكد تجار مواشٍ في دمشق وحلب واللاذقية أن حركة البيع ما تزال أضعف من السنوات الماضية رغم اقتراب العيد، مشيرين إلى أن عدداً كبيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار دون اتخاذ قرار الشراء، نتيجة التراجع الكبير في القدرة الشرائية.

مربو المواشي: ارتفاع التكاليف يفرض واقعاً جديداً

وخلافاً لما قد يظنه المتفرج في السوق، فإن الأسعار ليست ابنة لحظة جشع، بل وليدة سنوات من التكاليف المتراكمة، وهو ما يشرحه المربون بتفاصيل مريرة، إذ يؤكد مربي المواشي مصطفى الطاهر لـ«الحرية» أن الأسعار الحالية لا ترتبط بعامل واحد فقط، بل بسلسلة متشابكة من التكاليف التي ارتفعت خلال السنوات الماضية، بدءاً من الأعلاف والنقل والمحروقات وصولاً إلى الأدوية البيطرية واليد العاملة.

وأوضح أن تحسن المراعي هذا العام ساهم جزئياً في تخفيف كلفة التربية مقارنة بالمواسم السابقة، إلا أن ذلك لم ينعكس بشكل مباشر على الأسعار النهائية، بسبب استمرار ارتفاع التكاليف التشغيلية وتراكم أعباء التربية خلال السنوات الماضية.

ولفت إلى أن أسعار الأعلاف ما تزال تشكل العبء الأكبر على المربين، حيث يتراوح طن الشعير العلفي بين 8 و8.5 ملايين ليرة، بينما يصل سعر طن النخالة إلى نحو 6.5 ملايين ليرة، إضافة إلى الذرة والأعلاف المركبة، ما يقلص هامش الربح ويحد من قدرة المربين على التوسع.

وأضاف: إن العديد من المربين اضطروا خلال السنوات الماضية إلى تقليص أعداد القطعان، الأمر الذي انعكس على حجم المعروض في الأسواق خلال المواسم الحالية.

خبير اقتصادي: الارتفاع لا يرتبط بسعر الصرف وحده

بدوره، رأى الخبير الاقتصادي نزيه خليل أن تساؤل الشارع حول ما إذا كان ارتفاع أسعار الأضاحي ناتجاً عن الدولار فقط، أم عن ارتفاع فعلي في الأسعار، يعد تساؤلاً مشروعاً، لكنه يحتاج إلى قراءة اقتصادية أوسع.

وأوضح خليل لـ«الحرية» أن مقارنة الأسعار بين الموسم الحالي والموسم الماضي تُظهر أن الارتفاع لا يرتبط بسعر الصرف وحده، بل بعوامل إنتاجية وسوقية متعددة، مبيناً، أن سعر الخروف في الموسم الماضي كان يتراوح بين 2.5 و4 ملايين ليرة سورية، بينما يتراوح هذا الموسم بين 4.5 و6 ملايين ليرة، ما يؤكد وجود ارتفاع فعلي في تكلفة التربية والإنتاج، نتيجة زيادة أسعار الأعلاف والطاقة والنقل وتراجع أعداد القطعان خلال السنوات الماضية.

وأشار إلى أن جزءاً من الزيادة يرتبط أيضاً بارتفاع تكاليف التربية عالمياً ومحلياً، في حين يبقى العامل الأكثر تأثيراً هو تراجع القدرة الشرائية مقارنة بوتيرة ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن زيادة الطلب الموسمي قبيل عيد الأضحى تؤدي عادة إلى ارتفاع إضافي في الأسعار، خاصة مع محدودية المعروض المحلي واستمرار الضغوط الاقتصادية على قطاع الثروة الحيوانية.

جمعية اللحامين: تراجع واضح في حركة الشراء

من جهته، أكد رئيس جمعية اللحامين في اللاذقية عبد الله خديجة أن الأسواق تشهد تراجعاً واضحاً في حركة الشراء مقارنة بالسنوات السابقة، رغم استمرار الحركة في الأسواق مع اقتراب العيد.

وأوضح أن ارتفاع أسعار المواشي انعكس مباشرة على أسعار اللحوم، ما دفع كثيراً من العائلات إلى تقليص الكميات أو الاكتفاء بالحد الأدنى.

وأشار إلى أن بعض الأسر باتت تتجه نحو المشاركة في الأضاحي لتخفيف الأعباء المالية، في ظل الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع تكاليف الحياة.

وبيّن أن اللحامين يواجهون بدورهم ارتفاعاً في تكاليف النقل والتبريد والمحروقات وأجور الذبح، مما يزيد الضغط على مختلف حلقات السوق، من المربين وصولاً إلى المستهلك النهائي.

عيد بطقوس أبسط وتحديات معيشية أكبر

ورغم استمرار الحركة في الأسواق مع اقتراب عيد الأضحى، إلا أن حجم الشراء الفعلي يبقى محدوداً مقارنة بالمواسم السابقة، وسط تراجع واضح في القدرة الشرائية لدى كثير من الأسر.

ويرى مراقبون أن الواقع الحالي يعكس التحديات الاقتصادية والمعيشية التي تواجهها العائلات السورية، حيث باتت المناسبات الدينية تحتاج إلى ترتيبات مالية أكبر من السابق، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخل.

ومع ذلك، ما تزال كثير من العائلات تحرص على الحفاظ على أجواء العيد وشعائره الدينية بما يتناسب مع إمكاناتها، سواء عبر المشاركة الجماعية في الأضاحي أو تبادل الزيارات والتكافل الاجتماعي، في مشهد يعكس تمسك السوريين بعاداتهم وقيمهم رغم الضغوط الاقتصادية.

ويؤكد مربون ولحامون أن الأسواق تشهد حركة يومية متفاوتة مع اقتراب العيد، وسط آمال بتحسن وتيرة البيع خلال الأيام الأخيرة، كما جرت العادة في المواسم السابقة، خاصة مع استمرار ارتباط الأضحية بالبعد الديني لدى شريحة واسعة من السوريين.

 

 

Leave a Comment
آخر الأخبار