الحرية – آلاء هشام عقدة:
في وقت تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية والمعيشية في سوريا، عادت الحكومة لتضع القمح في صدارة أولوياتها الاقتصادية عبر المرسوم رقم 120، الذي يمنح مكافآت تشجيعية للفلاحين الذين يسلمون محصولهم إلى الجهات الحكومية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وزيادة المخزون الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويأتي المرسوم في ظل جدل واسع حول تسعيرة القمح هذا الموسم، إذ كانت وزارة الاقتصاد قد حددت سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى بنحو 46 ألف ليرة سورية، قبل أن يضيف المرسوم مكافأة تشجيعية بقيمة 9 آلاف ليرة عن كل طن يتم تسليمه للدولة، ليرتفع السعر إلى نحو 55 ألف ليرة للطن.
دعم للإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد
ويرى الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي، المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر، أن المرسوم يحمل أبعاداً اقتصادية تتجاوز فكرة المكافأة المباشرة للفلاحين، موضحاً أن الحكومة تسعى إلى إعادة تنشيط القطاع الزراعي بإعتباره أحد القطاعات القادرة على دعم الاقتصاد الوطني في ظل صعوبة الاستيراد وتقلب أسعار الغذاء عالمياً.
ويؤكد الزنبركجي أن تشجيع الفلاحين على تسليم محصولهم للدولة يسهم في تعزيز المخزون الاستراتيجي من القمح، ويخفف الضغط على القطع الأجنبي المستخدم في عمليات الاستيراد، لافتاً إلى أن نجاح القرار يبقى مرتبطاً بسرعة التنفيذ وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، كون الزراعة لم تعد قضية إنتاج فقط، بل أصبحت قضية أمن اقتصادي وغذائي، وأي دعم يقدم للفلاح ينعكس مباشرة على الاستقرار المعيشي.
تخفيف أعباء الديون عن الفلاحين
ولا يقتصر أثر المرسوم على تشجيع التسويق الحكومي للقمح، بل يمتد أيضاً إلى تخفيف الأعباء المالية عن المزارعين المقترضين من المصرف الزراعي التعاوني، عبر إعفاء القروض الزراعية من الفوائد وغرامات التأخير، في محاولة لدعم استمرارية العملية الإنتاجية ومنع خروج المزيد من الفلاحين من القطاع الزراعي.
وبحسب الزنبركجي، فإن القرار يساعد على إعادة جزء من السيولة المالية إلى يد المزارع، بدلاً من استنزافها في تسديد الفوائد والغرامات، ما يسمح باستخدامها في شراء مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة ومحروقات وآليات زراعية، كما يرى أن هذا الإجراء يسهم في الحفاظ على الدورة الإنتاجية الزراعية، خاصة أن الزراعة تحتاج إلى تمويل متجدد مع كل موسم، بينما يؤدي تراكم الديون عادة إلى تراجع الاستثمار وانخفاض الإنتاج.
تحديات مالية وهيكلية
ورغم الإيجابيات، يحذر الزنبركجي من وجود تحديات محتملة قد ترافق تنفيذ المرسوم، موضحاً أن إعفاء القروض من الفوائد وغرامات التأخير قد يؤدي إلى انخفاض إيرادات المصرف الزراعي، ما قد يؤثر مستقبلاً على قدرته التمويلية ومنح قروض جديدة للمزارعين.
كما أن تكرار الإعفاءات قد يضعف الانضباط المالي لدى بعض المقترضين الذين قد يؤجلون السداد بانتظار قرارات إعفاء جديدة، الأمر الذي قد ينعكس على استقرار التمويل الزراعي على المدى البعيد.
ويؤكد أن المرسوم رغم أهميته، يبقى معالجة جزئية لأزمة أعمق، لأن مشكلات القطاع الزراعي لا تتعلق فقط بالديون، بل تشمل أيضاً ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف البنية التحتية، ومحدودية مصادر المياه، وصعوبات التسويق والتصدير.
ارتياح بين الفلاحين
المزارعون عبّروا عن ارتياحهم للقرار، معتبرين أنه يشكل خطوة إيجابية بعد سنوات من الخسائر وارتفاع تكاليف الزراعة، حيث قال قال أحد الفلاحين: هذه المكافأة أعادت الأمل للفلاح بعد سنوات صعبة، لأنها تشجعنا على تسليم القمح للدولة بدلاً من بيعه للتجار.
فيما أشار المزارع محمد علي إلى أن سرعة صرف المكافآت ستشجع كثيراً من الفلاحين على توسيع زراعة القمح خلال الموسم المقبل، أما المزارع أبو أحمد من ريف حلب، فاعتبر أن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بسعر القمح، بل بارتفاع تكاليف الإنتاج، ولا سيما المحروقات والأسمدة وأجور النقل، مطالباً بتقديم دعم أكبر لمستلزمات الزراعة.
وأكد عدد من المزارعين أن القرار يحمل أيضاً بعداً معنوياً، لأنه يعكس اهتماماً حكومياً بإعادة دعم القطاع الزراعي بعد سنوات من التراجع.
ازدحام ومطالب بتحسين مراكز الاستلام
ورغم الترحيب الواسع بالمرسوم، فقد أشار بعض الفلاحين إلى وجود تحديات تتعلق بمراكز الاستلام، من بينها الازدحام وطول فترات الانتظار وارتفاع تكاليف النقل، وقال أحد المزارعين: نأمل زيادة عدد مراكز الاستلام، لأن معاناة النقل والانتظار الطويل قد تدفع بعض الفلاحين للعزوف عن التسليم.
بين الدعم واستعادة الثقة
وبينما تراهن الحكومة على استعادة القمح إلى مؤسسات الدولة عبر الحوافز المالية، يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بقدرتها على إعادة الثقة للفلاح السوري، وتحويل الدعم الموسمي إلى سياسة زراعية مستدامة تعيد للقمح مكانته كأحد أعمدة الاقتصاد السوري.
كما أن استمرار الدعم الحكومي للقطاع الزراعي، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مقبولة، قد يسهمان في زيادة المساحات المزروعة بالقمح خلال المواسم المقبلة، بما ينعكس إيجاباً على حجم الإنتاج المحلي ويخفف الحاجة إلى الاستيراد.