الحرية – ماجد مخيبر:
في ظل توجه اتحاد غرف التجارة السورية نحو تعزيز عمله المؤسسي عبر تشكيل لجان متخصصة تغطي مختلف القطاعات الاقتصادية، يبرز التساؤل حول مدى قدرة هذه اللجان على أداء دورها في تطوير بيئة الأعمال وتحويل المقترحات إلى خطوات عملية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، ومدى أهمية هذه اللجان ودورها، وما هي التحديات التي تواجهها.
العمل المؤسسي ضرورة لا خيار
في هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي محمد الحلاق في حديث لـ«الحرية» أهمية هذه اللجان ودورها، والعوامل التي تضمن نجاحها، معتبراً أن أي كيان لا يمكنه أن يعمل بمفرده أو يتولى جميع المهام بشكل منفرد، بل يحتاج دائماً إلى كيانات ولجان متفرعة عنه من أجل تحقيق الأهداف والغايات المرجوة. مشيراً إلى أن اتحاد غرف التجارة قام بتأسيس عدد من اللجان التخصصية التي يمكن اعتبارها كيانات تابعة له، وحدد لكل منها مهمات واختصاصات واضحة.
قوة المنظومة من قوة جميع مكوناتها
وأوضح الحلاق أن قوة أي منظومة تقاس بأضعف حلقاتها، وبالتالي فإن هذه الكيانات، سواء كانت مترابطة بشكل مباشر أو تعمل ضمن اختصاصات مختلفة، يجب أن تتمتع جميعها بالقدرة والكفاءة نفسيهما لتحقيق أفضل النتائج الممكنة، وأن تعمل وفق نسق واحد ورؤية موحدة تخدم أهداف الاتحاد.
اختلاف الاختصاص لا يعني اختلاف الأهمية
وأضاف الخبير الاقتصادي أن وجود تفاوت في قوة أو فعالية بعض اللجان أمر طبيعي، فهناك لجان ذات نشاط واسع وتأثير كبير مثل لجنة الاستيراد والتصدير، إلى جانب لجان أخرى معنية بالجمارك أو بالمعارض، وكلها لا تقل أهمية عن بعضها البعض، مؤكداً أن اختلاف الاختصاصات لا يعني اختلاف الأهمية، فكل لجنة تعمل ضمن محور مختلف عن الآخر، لكن عملها في النهاية يشكل استكمالاً لعمل الاتحاد ويهدف إلى تحقيق المصلحة العامة.
وأشار الحلاق إلى أن عمل هذه اللجان يجب أن يكون قائماً على التنسيق مع رئاسة الاتحاد، وأن نجاحها مرتبط بمدى قدرة مجلس الإدارة ورئاسة الاتحاد على توفير الدعم اللازم لها، سواء كان دعماً لوجستياً أو مالياً أو إدارياً، بما يضمن تحقيق أفضل النتائج الممكنة.
اختلاف الاختصاص لا يعني اختلاف الأهمية.. ونجاح عملها مرهون بالدعم والتنسيق
تحديات تواجه الاقتصاد السوري
فالمشكلة التي تواجه الاقتصاد السوري اليوم، وفق ما ذكره الحلاق، لا تقتصر على جانب واحد، بل تنقسم إلى شقين أساسيين: الأول حكومي يتمثل في عدم وجود تحديد واضح لهوية الاقتصاد السوري ومعرفة حقيقية لنقاط القوة والضعف فيه، بما يسمح بمعالجة مكامن الخلل وتعزيز عناصر القوة، أما الشق الثاني فيتعلق بقطاع الأعمال وعدم وضوح المسار الذي يجب أن يسير وفقه، مؤكداً أن هذين الجانبين مكملان لبعضهما البعض، ولا بد من وجود مسار عمل واضح يجمع بينهما لتحقيق التنمية الاقتصادية المطلوبة.
تغطي قطاعات تخصصية متعددة
بدوره، بين مدير مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية في اتحاد غرف التجارة السورية، محمد غزال، في تصريح مماثل لـ«الحرية» أن اللجان التخصصية المشكلة في اتحاد غرف التجارة السورية تمثل خطوة مهمة في تنظيم العمل الاقتصادي والتجاري، لافتاً إلى أن هذه اللجان تغطي قطاعات متعددة، وأن فكرة التخصص تأتي من باب تخصيص الجهود وتوجيهها وتوحيدها، إضافة إلى تجميع الخبرات وتشغيلها بالشكل الأمثل، بما يضمن أن تكون المخرجات الصادرة عن هذه اللجان على أعلى مستوى من الكفاءة والجودة.
وأوضح غزال أن اللجان تشمل العديد من القطاعات، مثل التجارة الداخلية والمؤتمرات والامتياز التجاري والاستيراد والتصدير وغيرها من اللجان المتخصصة، وبين أن أهمية هذه اللجان تكمن في أن وجود لجنة تركز على ملف أو قطاع محدد يتيح التخصص بصورة أكبر، ويجعلها بمثابة مرجعية لأي مستثمر يرغب بالاستثمار في قطاع معين، حيث يجد لجنة متخصصة وخبرات متراكمة قادرة على تقديم الدعم والمشورة في المجال الذي يستهدفه.
رفع جودة الأعمال وتسريع إنجازها
وأشار غزال إلى أن هذا الأمر يسهم في رفع جودة الأعمال وتسريع إنجازها، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، ومعرفة التشريعات المطلوبة، وبناء الشراكات، إضافة إلى استقطاب الفعاليات والشخصيات ذات العلاقة بكل قطاع. كما تعمل كل لجنة على دراسة واقع القطاع الذي تمثله وتحديد الفرص الاستثمارية المتاحة فيه، فعلى سبيل المثال، يمكن للجان المختصة دراسة المنتجات التي تمتلك سوريا فيها ميزات تنافسية وقادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، والعمل على تسليط الضوء عليها ودعمها.
وأضاف أن لجنة التجارة الداخلية، على سبيل المثال، يمكن أن تقوم بدراسة الأسواق المحلية والمشكلات التي تواجهها، ووضع الخطط والبرامج التي تساهم في استقرار هذه الأسواق، إضافة إلى دراسة التشريعات المرتبطة بها، وبين أن الهدف الأساسي يتمثل في توحيد هذه الجهود وتجميعها وتنظيمها وتأطيرها ضمن لجان متخصصة ومحددة المهام.
سر قوة اللجان
وفيما يتعلق بقوة هذه اللجان، يبين الحلاق أن قوة اللجان تكمن في طبيعة الأشخاص الموجودين فيها، فهم أصحاب أعمال وخبرات وعلاقات واسعة مع الشركات والمؤسسات، ويملكون القدرة على تقديم أفضل الأفكار والمقترحات من خلال خبراتهم العملية وتواصلهم المباشر مع الأسواق ومختلف القطاعات الاقتصادية، إلا أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الاتحاد على دعم هذه اللجان فكرياً وإدارياً ومالياً واجتماعياً.
اللجان توصي والقرار بيد الإدارة
وأضاف أن اللجان بطبيعتها تقدم المقترحات والرؤى ولا تمتلك صلاحية اتخاذ القرار، لأن القرار النهائي يعود إلى الاتحاد أو مجلس الإدارة أو الكيان الرئيسي أياً كان شكله، فاللجان ترفع توصياتها بعد دراسة ومناقشة، بينما تتولى الجهات الإدارية اتخاذ القرار ومنح الصلاحيات اللازمة للتنفيذ.
غياب القناعة يضعف التنفيذ
وأوضح أن المشكلة الحقيقية التي تواجه عمل هذه اللجان في كثير من الأحيان تتمثل في انتقال المقترحات إلى مجلس الإدارة دون وجود رؤية متكاملة أو قناعة كاملة بآلية التنفيذ، فتبدأ المشاريع دون توافق حقيقي حول أهدافها ومسارها، ما يؤدي مع مرور الوقت إلى ظهور الثغرات وتراجع فاعلية العمل، الأمر الذي ينعكس سلباً على أداء اللجان وقدرتها على الاستمرار.
توضيح الرؤى للمستثمرين
بدوره، يشير الباحث غزال إلى أن تشكيل هذه اللجان سينعكس إيجاباً على مستوى الاقتصاد الكلي وعلى مستوى البلد بشكل عام، من خلال دعم الاقتصاد وتعزيز الاستثمار وتوضيح الرؤى للمستثمرين، ولاسيما المستثمرين القادمين من الخارج، الذين قد يواجهون في بعض الأحيان ضبابية في المعلومات أو الرؤية المتعلقة بالفرص المتاحة. وأوضح أن هذه اللجان تشكل نافذة يمكن للمستثمرين التواصل معها عبر اتحاد غرف التجارة السورية للحصول على الدعم والاستشارات اللازمة.
كما تطرق غزال إلى أهمية العمل على بناء قواعد بيانات متخصصة للفرص الاستثمارية الموجودة في سوريا، بحيث تكون متاحة للمستثمرين وأصحاب الأعمال، إضافة إلى دور هذه اللجان في نقل الخبرات واستقطاب العلامات التجارية الدولية، ولفت إلى أن لجنة الامتياز التجاري على وجه الخصوص تمتلك دوراً مهماً في هذا الاتجاه، سواء من خلال استقطاب العلامات التجارية أو من خلال تشجيع قطاع الأعمال ورواد الأعمال على توسيع أنشطتهم وأعمالهم داخل السوق السورية والانخراط بشكل أكبر في الحركة الاقتصادية.
اللجان تستهدف أصحاب الحرف
وتابع غزال أن هناك جانباً مهماً آخر يتمثل في اللجان المتعلقة بالتدريب والتأهيل المهني، موضحاً أن هذه اللجان تستهدف أصحاب الحرف وكل من يرغب في تعلم حرفة جديدة أو تطوير مهاراته ورفع مستواه المهني وتوسيع أعماله في المجال الحرفي.
وأكد أن باب التأهيل والتدريب يشكل أحد الأدوار الأساسية لهذه اللجان، الأمر الذي يمنحها بعداً إضافياً يتجاوز المسؤولية التجارية إلى مسؤولية اقتصادية وتنموية أوسع على مستوى الاقتصاد السوري، من خلال المساهمة في تطوير الكفاءات والمهارات البشرية ودعم سوق العمل.
التحديات الإدارية واللوجستية
في منحى آخر، يشير الخبير الاقتصادي محمد الحلاق إلى أن بعض الملفات، مثل ملف المعارض، تحتاج إلى تضافر الجهود بين اللجان والاتحاد، كما تحتاج إلى وضوح في توزيع الأدوار والمسؤوليات، متسائلاً عما إذا كان من الأفضل أن تمتلك كل لجنة جهازاً إدارياً خاصاً بها، أم إن الاستفادة من الجهاز الإداري الموجود في الاتحاد ستكون أكثر فاعلية في تأمين الخدمات اللوجستية والتنظيمية اللازمة.
واعتبر أن هذا النوع من التداخل في الصلاحيات والمسؤوليات يؤدي أحياناً إلى إضعاف المقترحات وتأخير تنفيذها.
كذلك أوضح الحلاق أن أعضاء اللجان عندما يقدمون مقترحاتهم فإنهم يفعلون ذلك انطلاقاً من خبراتهم العملية واحتكاكهم المباشر بالواقع الاقتصادي، وبالتالي فهم يدركون طبيعة المشكلات والحلول الممكنة.
وإذا لم تحظَ هذه المقترحات بالاهتمام الكافي أو تمت مواجهتها بالرفض أو التأجيل المستمر، فإن ذلك ينعكس سلباً على حماس أعضاء اللجان ويؤثر في رغبتهم بالاستمرار في العمل
الحاجة إلى جسر تواصل مع الحكومة
وشدد الحلاق على أن اللجان تحتاج إلى دعم حقيقي من مجالس الإدارة، سواء عبر تبني أفكارها أو دعم طموحاتها أو العمل على تنفيذ توصياتها، كما تحتاج إلى وجود جهة قادرة على الربط بينها وبين المؤسسات الحكومية المختلفة.
وأوضح أن اللجان عندما ترفع مقترحات تتعلق بالتجارة الداخلية أو الجمارك أو غيرها من الملفات، فإنها لا تفعل ذلك لمصلحة خاصة، بل استناداً إلى مطالب وآراء وملاحظات وردت إليها من أصحاب العلاقة. ولذلك يجب أن يمتلك مجلس إدارة الاتحاد القدرة على إيصال هذه الأفكار إلى الجهات الحكومية المعنية، سواء عبر لقاءات مباشرة مع الوزراء أو معاونيهم أو المسؤولين المختصين، بهدف مناقشة المقترحات والعمل على تحقيقها.
الشخصنة تعطل القرارات
وأشار الحلاق إلى أن بعض القضايا تتعثر بسبب الشخصنة والعلاقات الشخصية، حيث قد تتأثر القرارات أحياناً بطبيعة العلاقة بين المسؤولين ورؤساء اللجان أو بين أصحاب القرار أنفسهم، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل بعض المقترحات أو تأخيرها أو تحميلها إجراءات وتفاصيل إضافية لا ضرورة لها.
وختم الحلاق بالتأكيد على ضرورة الانتقال من ثقافة الولاءات والشخصنة إلى ثقافة الكفاءات، بحيث يتم تقييم الأفكار وفق قيمتها وجدواها وقدرتها على تحقيق المصلحة العامة، بغض النظر عن الجهة أو الشخص الذي طرحها. وأشار إلى أن تحقيق الأفضل للاقتصاد السوري يتطلب التركيز على الكفاءة والنتائج، وليس على الاعتبارات الشخصية أو العلاقات الفردية، لأن هذه العقلية لا تزال حتى اليوم تشكل عائقاً حقيقياً أمام تطور العمل الاقتصادي والمؤسساتي في سوريا.