الحرية – حسين الإبراهيم:
في ورشة العمل التي أقامها فرع القنيطرة باتحاد الكتاب العرب، في المدة مابين 14 ـ 16 تموز 2026 قدّمتُ للمشاركين أوراقاً تدريبية حول الأدب الرقمي، شملت خصائصه، بنيته التقنية، طرائق هيكلته، ودور المؤثرات السمعية والبصرية فيه، كانت الجلسات مكثفة، وكان الهدف واضحاً: تأسيس قاعدة صلبة للدخول إلى عالم القصة الرقمية، حيث يتحول القارئ من متلقٍّ سلبيٍّ إلى شريك في صناعة المعنى.
في نهاية الورشة، طلبتُ من المشاركين تقديم مشاريع تطبيقية للقصص التفاعلية، فكانت سبع تجارب، تنوعت بين الدراما النفسية العميقة والخيال الفلسفي والسرد الحربي والتربوي، وكلها حملت بصمات كتّابها ورغبتهم في تجريب شكل جديد من الكتابة،
أقدّم هنا قراءة سريعة لهذه النتاجات، مع تقييم مبني على معايير محددة: الجاهزية التفاعلية، العمق العاطفي، جودة السرد، الإبداع، وإمكانية توليد نهايات متعددة.

ثقب أسود في الذاكرة: الأفضل أدبياً وتقنياً
حصلت هذه القصة التي كتبتها عبير عزاوي، على أعلى تقييم، 9.5 من 10، حيث يبدأ النص بمشهد رجل ممدد في الطريق، ينظر إلى عيون المارة من حوله، بينما يخبرهم بأنه ليس ميتاً، لكنه ميت فعلاً، الراوي يسمع ويرى ويفكر، لكن جسده مشلول، ورأسه مثقوب برصاصة عابرة، ما يميز هذه القصة صوتها السردي الفريد وبنيتها الزمنية المزدوجة؛ الحاضر المأساوي يتداخل مع ذكريات الماضي، حيث الحبيبة سهيلة، والفتاة التي تراقبهما من خلف النافذة، والتهجير، والقصائد التي لم تُكتب، الذاكرة هنا ليست مستقرة، وهذا يمنح القصة إمكانات هائلة للتفاعل: يمكن للقارئ أن يقرر أي ذاكرة يسترجع، وأي تفصيل يحاول تثبيته قبل أن يضيع، العلامة الوحيدة التي خسرتها القصة هي غياب خيارات فعلية للقارئ في الحاضر، لكن نضجها الأدبي يعوض ذلك.
الموت تبخّراً: جرأة أخلاقية تنتظر التفاعل
جاءت هذه القصة لكاتبها حسام خضور في المرتبة الثانية بـ8.5 من 10، يكتب الصحفي رافي مقالاً عن ظاهرة جديدة: الموت بلا ألم، حيث يختفي الإنسان ولا يترك جثة، ولا رماداً، ولا أثراً.
السماسرة في أوروبا وأمريكا يعرضون الفكرة على لجان الأخلاقيات بلغة مطمئنة: لا ألماً، لا معاناة، لا تكاليف ما بعد الموت، المشكلة الوحيدة، كما يشير التقرير التسويقي، هي غياب الصور الترويجية؛ فلا يمكن تصوير ما لا يبقى، القصة ساخرة، فكرية، ومؤثرة، لكنها في شكلها الحالي تأملية أكثر منها درامية، تحتاج إلى شخصيات فاعلة ونقاط قرار حادة؛ كأن يواجه الصحفي ضغوطاً من جهات متعددة، أو يُعرض عليه هو نفسه تجربة التقنية. لو طُوّرت بهذا الاتجاه، ستصبح تجربة أخلاقية تفاعلية فريدة.
ثلاث قصص في المرتبة الثالثة
حصلت ثلاث قصص على 8 من 10، لكل منها تميزها ونواقصها،
الرجل الذي تذكّرَ الغدَ لكاتبتها آية اليوسف تروي قصة آدم الذي يخسر زوجته ليلى في حادث، ثم يلجأ إلى تقنية «إحياء الذاكرة» لاستعادتها، لكن الذكريات المستعادة تتغير، وتختلف عما تركها، فيكتشف أن الذاكرة ليست تسجيلاً، بل قصة يعيد الإنسان كتابتها كل مرة.
النص عميق وأسلوبه ناضج، لكنه خطي، القارئ لا يتخذ أي قرار مصيري في مساره، يحتاج إلى نقاط اختيار حادة، كنحو أن يقرر آدم هل يحتفظ بالذكريات المعدّلة أم يحذفها، أو هل يحاول تغيير الماضي عبر الشريحة.
«حبرٌ أبيض» لحنين هواش تبدأ ببطلة تجد في مكتبة قديمة كتاباً أبيض ناصعاً، صفحاته فارغة، لكن الكلمات تبدأ بالتشكل عليها وحدها، كالحبر الخارج من العدم. الكتاب يخبرها بأن والدتها، التي ماتت منذ سبع سنوات، كانت تكتب لها رسائل في هذا الكتاب. القصة مبنية أصلاً على خمس نهايات مختلفة، بحسب اختيارات القارئ بين المواجهة والهروب والإنكار والتمزيق، لكن معظم الخيارات تؤدي إلى هروب عاطفي أو تدمير، وتفتقر إلى مسارات بناءة تمنح البطلة قوة المواجهة. تنويع النهايات العاطفية سيرفع من قيمتها.
«ضوء فجر» لعبد الحميد غانم تتابع رحلة الطفلة ليان وجدتها هديل في منطقة حرب، وهما تحاولان الهروب من القصف، القصة مبنية على ثلاث عقد واضحة يمكن تحويلها إلى نقاط قرار، وحوارها مكثف وشخصياتها متقنة، لكنها في شكلها الحالي خطية، كل العقد تقود إلى الهروب نفسه، لو أضيفت خيارات متناقضة – كالبقاء في الحي، أو محاولة العبور من طريق آخر، أو الانفصال عن الجدة في لحظة مصيرية – لتحولت إلى تجربة نزوح تفاعلية مؤثرة.

سارة (خذني إلى عالمي): الأكثر نضجاً تقنياً
حصلت هذه القصة التي كتبتها رقية الحمدان أيضاً على 8 من 10، لكن تميزها في البنية التفاعلية أكثر منه في العمق الأدبي، القصة تبدأ بفتاة تستيقظ في ممر طيني، وتواجه قطاً أسود وأفعى بيضاء، وتتخذ خياراتها بينهما، لتنتقل بعدها إلى مستويات أعمق من الحلم، ثم تستيقظ في غرفتها مصابة بالجاثوم، حيث يحارب حيوانها الحامي كابوسها.
القصة تحتوي على هيكل تشعبي متكامل، بخيارات رئيسية وفرعية، لكن جميع المسارات تقود إلى النهاية نفسها: النجاة بفضل الحامي، هذا يضعف قيمة الخيارات.
إضافة نهايات متناقضة – كالغرق في البئر أو فقدان الذاكرة أو الاستيقاظ دون حامٍ – سيجعل التجربة أكثر ثراءً.
المفتاح الذهبي: فكرة نبيلة وهيكل بدائي
حصلت هذه القصة لكاتبها بسام عليان على 4 من 10، وهي الأضعف بين المجموعة، تروي قصة طفلة تعثر على مفتاح ذهبي في الحديقة، وتقرر البحث عن صاحبه مع والدها، ليقودها البحث إلى قسم التراث في المكتبة، حيث يفتح المفتاح صندوقاً قديماً يحتوي على صور ورسائل تاريخية.
الفكرة تربوية وتعليمية، والكاتب أعدّ لها مخططاً تفاعلياً بدائياً، لكن القصة خطية جداً وتخلو من الصراع أو العقبات، كل الشخصيات متعاونة، والنتيجة إيجابية في كلا المسارين، ما يزيل التوتر الدرامي، تحتاج القصة إلى إعادة هيكلة كاملة: إضافة شخصيات معارضة، وعقبات، ونهايات متناقضة تجعل الخيار الجيد مؤثراً فعلاً.
ما الذي تعلّمناه من هذه التجارب؟
أولاً، أن الكتّاب السوريين يمتلكون حساسية عالية تجاه موضوعات مثل الذاكرة، الفقد، النزوح، والهوية، وهي مادة خصبة للسرد التفاعلي.
ثانياً، أن الجانب التقني لا يزال التحدي الأكبر، فمعظم القصص تفتقر إلى النهايات المتناقضة والصراعات الحقيقية، وهذا يعود إلى حداثة التجربة أكثر من نقص الموهبة.
ثالثاً، أن الهيكلة البصرية المسبقة – كما في قصتي «حبرٌ أبيض» و«سارة» تساعد كثيراً في إنتاج عمل تفاعلي متماسك.
هذه التجارب ليست كاملة، لكنها بداية واعدة، وهي تؤكد أن الأدب الرقمي في سورية لايزال بحاجة إلى دورات تدريبية، ومنصات نشر، وجهات داعمة، كما أوصت الورشة.
الأهم من ذلك، أنها تثبت أن القصة التفاعلية ليست مجرد تقنية غربية، بل يمكنها أن تحمل همومنا وقضايانا بلغتنا، وتجعل القارئ شريكاً في حكاياتنا، لا مجرد متفرج.