تأثيرات الهجرة المباشرة على الحالة الاقتصادية والاجتماعية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – مركزان الخليل:

المتابع لواقع حياة الأسرة السورية ومقومات معيشتها يرى الكثير من التحديات الكبيرة التي فرضتها الهجرة في السنوات السابقة، خاصة على صعيد الخبرات والأدمغة ورأس المال، الأمر الذي انعكس سلباً على الإنتاج وسوق العمل والقدرة التنافسية لكل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، ولكن من الناحية الإيجابية، فقد برزت التحويلات المالية التي يرسلها السوريون في الخارج كأحد أهم مصادر دعم الاقتصاد والأسر، لكنها بقيت أسيرة الاستهلاك اليومي، في غياب سياسات فاعلة تحولها إلى قوة إنتاجية واستثمارية تعوض ولو جزئياً عن الخسائر البشرية والاقتصادية التي تكبدتها البلاد.

الخبير التنموي الدكتور وائل الحسن يؤكد لـ«الحرية» أن الهجرة واللجوء يحملان تأثيراً مزدوجاً، يتمثل في خسارة كبيرة لرأس المال البشري والإنتاجي من جهة، وإمكان الاستفادة من التحويلات المالية والخبرات السورية في الخارج من جهة أخرى، مشيراً إلى أن التأثير السلبي لا يزال الأكثر حضوراً في المرحلة الحالية.

خسارة خبراتنا المهاجرة

ويوضح الدكتور الحسن أن موجات الهجرة شملت شريحة واسعة من أصحاب الكفاءات، بينهم أطباء ومهندسون وتقنيون وعمال مهرة ورواد أعمال، وهي فئات تشكل المحرك الأساسي للإنتاج والأعمال الابتكارية، وبالتالي فإن الاقتصاد لا يقيس الثروة بالأموال فقط بل بالكفاءات البشرية أيضاً، إذ إن خسارة رأس المال البشري تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف إعداد كوادر بديلة، وتراجع القدرة على الابتكار وتأسيس المشاريع الجديدة، وهي خسائر تحتاج إلى سنوات طويلة لتعويضها.

خسائر في رأس المال البشري وفرص اقتصادية  تنتظر سياسات استثمارية

تحديات متزايدة

ويتابع الخبير التنموي أن خروج أعداد كبيرة من المواطنين في سن العمل أدى إلى نقص واضح في العمالة الماهرة، ولا سيما في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، الأمر الذي انعكس على القدرة الإنتاجية للمنشآت ورفع تكاليف التشغيل في بعض القطاعات، وأن هذه التطورات تؤثر بصورة مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، كما تحد من قدرة الاقتصاد على استعادة نشاطه بوتيرة أسرع، خاصة خلال الدخول بمرحلة التعافي والانتقال إلى واقع جديد.

التحويلات المالية

كما يشير الحسن إلى أن التحويلات المالية للسوريين في الخارج أصبحت أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، وتؤدي دوراً مهماً في دعم الأسر وتلبية احتياجاتها الأساسية، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن قيمة هذه التحويلات تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار سنوياً، وتسهم في دعم الاستهلاك المحلي، والمساعدة في استقرار سعر الصرف نسبياً، وتمويل التعليم والرعاية الصحية والسكن. إلا أن هذه التحويلات حسب الدكتور الحسن لا تزال تتجه بمعظمها إلى الإنفاق الاستهلاكي، في حين تبقى مساهمتها في الاستثمار والإنتاج محدودة بسبب تحديات البيئة الاستثمارية وما تعانيه من صعوبات.

السوق المحلية وحالتها الانكماشية

ويبين الدكتور الحسن أن تراجع عدد السكان المقيمين داخل البلاد أدى إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات، ما انعكس على نشاط الأسواق وأدى إلى إغلاق عدد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي أسهم في انكماش حجم الاقتصاد، كما انعكست الهجرة على المالية العامة من خلال انخفاض عدد دافعي الضرائب، وتراجع الإيرادات، وارتفاع نسبة الإعالة، وهو ما يزيد الأعباء الواقعة على الخدمات العامة والإنفاق الحكومي الذي يتحمل الكثير من الأعباء.

إعادة بناء رأس المال البشري

وفي هذا الإطار، هناك آراء كثيرة تتفق مع الخبير الحسن فيما ذكر، حيث يرى الأكاديمي علي ظروف أن إعادة بناء رأس المال البشري يجب أن تكون جزءاً من أي خطة للتعافي الاقتصادي والاجتماعي، عبر تطوير التعليم الجامعي والتقني، وربط مخرجاته باحتياجات سوق العمل، والاستفادة من الخبرات السورية في الخارج من خلال برامج تعاون علمي ومهني يطول كل القطاعات التربوية والخدمية، إلى جانب ما تطوله على صعيد الاقتصاد والتنمية.

زيادة في تكاليف الإنتاج

والحال ذاتها على الواقع الصناعي، حيث أكد الصناعي محمد المنان أن نقص العمالة الماهرة أصبح من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصناعي، ما أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج وتأخير تنفيذ بعض المشاريع، مشيراً إلى أن تشجيع التدريب المهني وتقديم حوافز للاستثمار من شأنهما الإسهام في إعادة تنشيط القطاع الإنتاجي بشقيه الزراعي والصناعي، وانعكاس ذلك بدوره على قطاع الخدمات.

فرص يمكن البناء عليها

وبالعودة إلى الخبير التنموي الحسن، والذي يرى أنه هناك الكثير من الفرص التي يمكن البناء عليها، وبالتالي تحويل هذه التحديات إلى فرص يتطلب تبني سياسات اقتصادية واضحة تشمل تشجيع استثمارات السوريين في الخارج عبر حوافز وضمانات مناسبة، وتحويل جزء من التحويلات المالية إلى مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة، ودعم ريادة الأعمال والابتكار في القطاعات الصناعية والزراعية والتكنولوجية، وتطوير البيئة التشريعية والإدارية بما يعزز ثقة المستثمرين، إلى جانب إطلاق برامج للتعاون مع الكفاءات السورية في الخارج لنقل المعرفة والخبرات الداعمة للحالة الاقتصادية العامة.

Leave a Comment
آخر الأخبار