الحرية – محمد زكريا:
يشكّل عيد الأضحى المبارك مناسبة دينية واجتماعية عظيمة تتجلى فيها قيم التكافل والتراحم، وذلك من خلال تطبيق شعيرة الأضحية، إلا أن ازدياد عمليات الذبح خلال فترة زمنية قصيرة يفرض تحديات صحية وبيئية ورقابية كبيرة، خصوصاً في المدن المكتظة، ومن هنا يبرز الدور المحوري للطبيب البيطري باعتباره خط الدفاع الأول في حماية الصحة العامة وضمان سلامة اللحوم ومنع انتقال الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
اهتمام حكومي بتنظيم عملية الذبح
وحتى لا نبخس جهد أحد، فقد أولت الجهات المعنية اهتماماً متزايداً بتنظيم عملية ذبح الأضاحي، وذلك عبر فتح المسالخ البلدية وتشديد الرقابة البيطرية، ومنع الذبح العشوائي داخل الأحياء السكنية، بهدف الحد من التلوث البيئي والمخاطر الصحية التي قد تنجم عن الممارسات غير النظامية، وذلك من خلال استصدار مجموعة من القرارات والتعاميم التي تنظم عمليات ذبح الأضاحي خلال فترة عيد الأضحى المبارك، كما إنها تشدد على اتخاذ كافة الإجراءات الصحية والوقائية والرقابية على عمليات الذبح وتنظيمها، ومنع العشوائية في عمليات الذبح حفاظاً على البيئة وسلامة اللحوم وخلوها من المسببات المرضية.

منظومة متكاملة من الإجراءات الوقائية والرقابية
عضو نقابة الأطباء البيطريين الدكتور عبد الرزاق قبا خليل بيّن أهمية دور الطبيب البيطري في مراقبة الأضاحي، حيث لا يقتصر دوره على فحص الحيوان قبل الذبح فحسب، بل يمتد ليشمل منظومة متكاملة من الإجراءات الوقائية والرقابية التي تضمن سلامة المجتمع وحماية البيئة.
ولعل من أبرز مهام الطبيب البيطري، حسب خليل، تتمثل في الفحص السريري للحيوان قبل الذبح، حيث يقوم الطبيب البيطري بالكشف على الأضاحي للتأكد من خلوها من الأمراض المعدية والوبائية، إضافة إلى التأكد من سلامتها العامة وخلوها من الهزال الشديد أو الإصابات المرضية، والتأكد من عدم وجود أي أعراض لأمراض مشتركة مثل (السل البقري والحمى المالطية)، أو الإصابات بالجرب والطفيليات الجلدية، والتسممات، والتهابات الأعضاء الداخلية، والأمراض التي تؤثر على سلامة اللحوم وتجعلها غير صالحة للاستهلاك البشري، ويُعد هذا الإجراء بالغ الأهمية لمنع دخول لحوم غير صالحة للاستهلاك إلى السلسلة الغذائية.
مخاطر الذبح العشوائي: أمراض مشتركة وتلوث بيئي وتسممات
وأوضح خليل، في حديثه لـ«الحرية»، المخاطر الصحية الناتجة عن الذبح العشوائي، حيث إن الذبح خارج المسالخ النظامية يؤدي إلى العديد من المشكلات الصحية والبيئية، منها:
انتقال الأمراض المشتركة عبر الدم أو المفرزات أو اللحوم الملوثة.
التلوث البيئي، حيث تؤدي مخلفات الذبح غير المعالجة إلى انتشار الروائح الكريهة، وجذب الحشرات والقوارض، وتلوث الطرقات وشبكات الصرف الصحي، مع زيادة الحمل الجرثومي في الأحياء السكنية.
التسممات الغذائية، حيث إن عدم حفظ اللحوم ونقلها بالشروط المناسبة، أو تعرضها للذباب والغبار والحرارة المرتفعة، يزيد احتمالية التسممات الغذائية، خاصة في فصل الصيف.
إجراءات فردية ومؤسساتية للوقاية الصحية
وبخصوص سبل الوقاية الصحية أثناء إقامة شعيرة الأضحية، أشار خليل إلى أنه يمكن الحد من المخاطر الصحية عبر اتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية المهمة:
على المستوى الفردي، يمكن شراء الأضاحي من مصادر موثوقة وأسواق خاضعة للرقابة البيطرية، والتأكد من النشاط العام للحيوان وخلوه من الأعراض المرضية، مع تجنب الذبح داخل الشوارع والأحياء السكنية المغلقة، إضافة إلى استخدام أدوات نظيفة ومعقمة، وغسل اليدين باستمرار أثناء التعامل مع اللحوم، والتخلص الصحي من المخلفات وعدم رميها عشوائياً.
أما على مستوى البلديات والجهات الصحية، فتتمثل الإجراءات في تكثيف الرقابة البيطرية خلال فترة العيد، وتأمين مواد التعقيم والنظافة داخل المسالخ، إضافة إلى تنظيم حملات توعية صحية للمواطنين عبر القنوات الإرشادية ووسائل الإعلام، مع فرض غرامات وعقوبات على الذبح العشوائي، وتأمين سيارات لنقل المخلفات الحيوانية بشكل آمن.
العديد من التشريعات التي تنظم عملية الذبح
لجهة التشريعات، يضيف خليل أن الجهات المعنية أصدرت العديد من التعليمات التي تنظم عملية ذبح الأضاحي، ومن أبرزها: فتح المسالخ البلدية برسوم رمزية خلال فترة أيام العيد، مع منع الذبح في الطرقات والأماكن العامة، وتكليف الأطباء البيطريين بالإشراف الصحي على الأضاحي، وتنظيم حملات مشتركة بين البلديات والشرطة الصحية، وتشديد الرقابة على أسواق بيع المواشي، إضافة إلى إلزام القصابين والعاملين في مجال ذبح الأضاحي بالشروط الصحية والنظافة العامة، واستصدار تراخيص للراغبين بتقديم خدمة ذبح الأضاحي بشكل قانوني ووفق معايير صحية معتمدة.
مسالخ البلديات.. تحديات الضغط وقلة الاستيعاب
وعن المسالخ البلدية وقدرتها على الاستيعاب، أوضح خليل اختلاف القدرة الاستيعابية للمسالخ بحسب حجم المدينة والبنية التحتية المتوفرة، إلا أن الواقع يشير إلى وجود تحديات حقيقية خلال أيام العيد، منها: الارتفاع الكبير والمفاجئ في أعداد الأضاحي، ونقص الكوادر الفنية والبيطرية أحياناً، ومحدودية عدد المسالخ النظامية في بعض المناطق، والأعطال الفنية أو ضعف التجهيزات، والضغط الكبير خلال ساعات الصباح الأولى، وفي بعض المدن، قد يؤدي الازدحام إلى عزوف المواطنين عن استخدام المسالخ واللجوء إلى الذبح المنزلي، ما يضعف الرقابة الصحية.
الحلول المقترحة.. نقاط ذبح مؤقتة وفرق بيطرية جوالة
ولمواجهة الضغط المتزايد على المسالخ خلال عيد الأضحى، يمكن اعتماد عدة حلول عملية وصحية، منها إنشاء نقاط ذبح مؤقتة مرخصة ومراقبة تحت إشراف أطباء بيطريين، فبإمكان البلديات تجهيز مواقع مؤقتة ضمن شروط صحية محددة، تتضمن إشرافاً بيطرياً مباشراً، ومصادر مياه وتعقيم، وتصريفاً صحياً للمخلفات، كما يمكن اعتماد الفرق البيطرية الجوالة، حيث تُعد من الحلول الفعالة خصوصاً في المناطق الريفية.
شعيرة الأضحية.. نجاحها يرتبط بصحة الإنسان والبيئة
إن نجاح شعيرة الأضحية لا يقتصر على أداء الجانب التعبدي فحسب، بل يشمل أيضاً المحافظة على صحة الإنسان والبيئة والمجتمع. ومن هنا تتجلى الأهمية الكبرى للطبيب البيطري بوصفه شريكاً أساسياً في منظومة الصحة العامة، حيث يسهم في ضمان سلامة اللحوم ومنع انتشار الأمراض وتحقيق الأمن الصحي الغذائي. كما أن تطوير المسالخ البلدية وتوسيع قدراتها، إلى جانب تفعيل البدائل الرقابية المؤقتة، يمثل ضرورة ملحة لمواكبة الضغط المتزايد خلال عيد الأضحى، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والخدمية الراهنة.