الحرية- علي الرّاعي:
لابدّ لأي مُتابع للشأن الثقافي في حمص، لاسيما للمشهد الشعري في هذه المُحافظة التي منحتها الجغرافيا موقعاً لتكون قلب سوريا، من أن تسرد لها الذاكرة أسماء شعرية شكلت على مدى الأيام عناوين للقصيدة ليس في حمص وحدها، بل لكل مشهد القصيدة في سوريا، فإذا ما عُدنا للزمن البعيد بعض الشيء إلى الزمن العباسي، سنرى ديك الجن الحمصي، وقد حجز مكانته الشعرية على رفوف هذه الذاكرة بكلّ نبض غزله العالي، ثم إذا ما حرّضت الذاكرة أكثر، فإنها ستفرد الصفحات واسعة لشاعرها المهجري نسيب عريضة الذي درج في شعره أن يطلق على حمص بكامل حنينه الشعري «أم الحجارة السود».. ولابد ستفرد الذاكرة المساحة الواسعة لكثيرين غيرهما كالشاعر عبد الكريم الناعم وممدوح سكاف وآخرون..
الشاعر الأشكالي
غير أنها -الذاكرة- ربما ستتوقف طويلاً، ولابد وأن تدع المُتذكر يمكُثَ لبعض الوقت مع شاعرها الإشكالي في الزمن الحديث، إشكالي في شعره وشواغل قصيدته، وحتى في عشقه وطريقة موته، وهو بلا أدنى تردد الشاعر عبد الباسط الصوفي (1931م – 1960م) أي أن الصوفي، ينتمي إلى فئة الشعراء الذين قالوا شعرهم دفعة واحدة وفي زمنٍ محدود قد لا يتجاوز العشر من السنين، ومضوا سريعاً وقد منحتهم الحياة القليل من أيامها، وفي حالة شاعرنا الصوفي لا تتعدى ثلاثين سنة..
مناسبة الحديث عن الشاعر عبد الباسط الصوفي هو الكتاب الذي أعدّه جمال أبو سمرة بذات العنوان، والصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب.. في هذا الكتاب يسرد أبو سمرة رواية هذا الشاعر المُغرق في رومانتيكيته وتراجديته سواء على صعيد القول الشعري، وحتى كمسيرة حياة..
في حي المغارة
فقد ولد الشاعر الصوفي في حي المغارة في حمص من أسرةٍ متوسطة الحال، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية، عُين بعدها مُعلماً في ريف المحافظة، وعندما نال الإجازة الجامعية في الآداب سنة 1956م، عمل مذيعاً في الإذاعة السورية، وبتوصية من وزير الحكومة أنذاك الشاعر بدوي الجبل عُيّن مُشرفاً على القسم الأدبي في الإذاعة.. كما عمل مُدرساً في ثانويات دير الزور وحمص.. ثم كان السفر إلى دولة غينيا الإفريقية، وهناك في بلدةٍ نائية “لابي” الغينية يُصاب بمرض عُضال دفعه لأن يضع حداً لفسحة الحياة التي عاشها سريعاً..
فقد كان لعبد الباسط الصوفي في كل مرحلة مما سبق زمانية أو مكانية، المُعادل الشعري الذي يعكس تراجيدية تلك الحياة أواسط القرن العشرين، فلم يُقدر للصوفي أن يعيش حياةً هانئة هادئة مستقرة خالية من الفوضى والضوضاء، وحتى الضجيج الذي أنهكه، فقد عاش فقيراً في منزل أهله المُكتظ بالأطفال، هناك عاش الحياة في الحيز الضيق، زاده ضيقاً الفشل العاطفي الذي اختزل هذا الحيز إلى أدنى وأقلّ مساحة..
في المساحة الضيقة
ومع كل تلك المساحة الضيقة في الحياة غير أن سعيه لأن يكون مُختلفاً، بقي على تأججه، وما يرويه من تفاصيل واقعية، أثرت كثيراً في نفسه وأدبه، وما يُمكن ملاحظته في مروياته وسيرة حياته وشاعريته بصورةٍ عامة، طموح الشاب الكبير، وسعيه الدؤوب إلى تثقيف نفسه، فضلاً عن التفاته إلى احتياجاته الوجدانية من حب وطفولة وموهبة وإثباتٍ للذات، حيث أقرّ الناقد المصري محمد مندور بشاعريته العالية، ومُبكراً بشرّ بها الناقد محي الدين صبحي من خلال دراسة نقدية مما جاء فيها: إنه شاعرٌ يُوقفُ شعره على الانفعالات وتجسيدها، ليس بالألفاظ النفسية، بل بالأجواء الموحية.. كما امتدح فيه مُتابعته طريقة نزار قباني في تعريب الرمزية، ورأى في شعره رمزية سعيد عقل، وحرص الشاعر عمر أبو ريشة على تجسيدها وتوليدها..
جسر عبور
ويُجمع الكثير من الباحثين والنقاد، على وصف تجربة عبد الباسط الصوفي الشعرية بأنها كانت جسر عبور إلى التجديد الحقيقي في الشعر السوري، فقد اعتبره الناقد محمد عدنان قيطاز من أبرز الشعراء الشباب –ستينيات القرن الماضي– الذين أسهموا في بناء القصيدة الجديدة، وعملوا على تحديث الشعر السوري شكلاً ومضموناً، وقدّم من خلال قصيدته صورة من صور الشاعر المُلتزم بقضايا الوطن والإنسانية.. فقد غنّى للأرض وللمرأة وللطبيعة، وحمل هموم الإنسان بروح شفافة نابضة بالحب والإيمان والحزن والقلق والاضطراب والاغتراب والاستلاب.. أما جورج فارس رباحية فيصفه بالشاعر العبقري الدقيق التصوير والملاحظة، عربي النزعة، رشيق العبارة.. يمتاز شعره بأنه يجمع بين أصالة الشعر الكلاسيكي، وتجديد الشعر الحديث، ويُعبّر تعبيراً عميقاً عن مأساة الضياع والتيه التي يُعانيها الجيل العربي الجديد في سعيه لتحقيق ذاته..
أما الدكتور إبراهيم الكيلاني، فيرى أنّ عبد الباسط الصوفي شاعرٌ غنائي وجداني، أجادَ التعبير عن عواطفه وانفعالاته الذاتية في مختلف أطوارها وتموجاتها إجادته التعبير عن حُبه للجمال الكلي الشامل بواسطة الأوزان المُنغّمة، والكلام المُجنح، والجرس المُطرب فهو يقول في قصيدة كانت مُقررة في مناهج التعليم في سوريا عنوانها “مدينتي” وهي من قصائد أخرى دخلت المناهج الدراسية السورية:
مدينتي، طيبةٌ حرّة
مدينتي، لا تملكُ الذّرة
لا تصلبُ الإنسانَ في آلةٍ
أو تمضغُ الأحقادَ، في فكرة
مدينتي، نبضاتُ قيثارةٍ
حيناً، وحيناً ضحكةً ثرّه
قديمةٌ، كالحبِّ، ميلادها
لمّا صحا دربُ الهوى مرّه
يرى الكاتب سلمان حرفوش، إنّ هناك خطوات حاسمة مشاها الصوفي، هي بصمات تجديدية لا لبس فيها، ولا رجوع عنها وسم بها الشعر السوري، فكان جسر العبور لجميع من لحقوا به، مُطورين أدواتهم الشعرية: كلماتٍ، وصوراً، وعمرانية، ومواضيع، ولكن بقي –برأيه- للصوفي بين شعرائنا جميعاً تفرّد تجربته الوجودية، فهو وسيزيف، وكامو الذي نلمحُ خياله في مقدمة قصيدته “الغَرَب” النثرية – حال واحدة.
كلُّ الحقولِ جمرةٌ من الذهب
وأنتَ أحطابُ الشتاء، يا غرب
ترك عبد الباسط الصوفي عشرات القصائد الشعرية في مُختلف الموضوعات، تضمنها ديوانه “أبيات ريفية”، منها قصائد: “هو الشعب، مأدبة للقمر، انطلاق، وغيرها”، وهو الديوان الفائز بجائزة دار الآداب في الشعر، بالإضافة إلى عشرات المقالات الأدبية والاجتماعية، والقصص، ورواية لم يُقدّر له أن يتمها، وقد جُمعت أغلبها تحت عنوان “آثار عبد الباسط الصوفي الشعرية والنثرية”.. أصدرتّها وزارة الثقافة سنة 1968م.. كما أصدر أقرب أصدقائه الشاعر الراحل ممدوح سكاف كتاب “عبد الباسط الصوفي الشاعر الرومانسي” سنة 1983م، وهو كتاب غني يُحيطُ إحاطة شاملة بحياة هذا الشاعر، وتفاصيلها الدقيقة بحكم قرب المؤلف من الشاعر موضوع الدراسة، وصداقته الطويلة له..
لا تسأليني، أن أهدّمَ جبهتي
وأسيرُ خلفكِ، بالظنونِ وأشهق
وأشدُّ أعصابي، إلى قيثارةٍ
وتراً، بأنغام الهوى يتمزّق؟
أغلقتُ أغلقتُ الضلوعَ وأجفلتُ
كفي على صدري، وقلبي مُغلق
أسطورةُ الحبّ المُجنج عفتُها
ونثرت أوراقي، وماتَ الزنبق