الحرية – على الراعي:
المساحة الصغيرة للوحة كانت كافية للكثير من الفنانين التشكيليين ليعرضوا أعمالهم في أكثر من صالة تشكيلية، وذلك بكلّ ماتحمله اللوحة الكبيرة المساحة من الشغل التشكيلي، ومن الاتجاهات الفنية كافة.
وفي تلك المعارض للوحة الصغيرة وكذلك للمنحوتة الصغيرة لم نرَ أنه تغيّر “الشغل الفني” لدى الفنانين المشاركين في هذه المعارض، عن طريقتهم السابقة عندما تكون المساحة البيضاء أمامهم أوسع، وأكبر، فقد بقيت التقنيات هي ذاتها، تماماً كما بقيت أغراض اللوحة نفسها، وللتذكير فقد درجت “صالة الشعب” التابعة لاتحاد الفنانين التشكيليين لإقامة مثل هذه المعارض بشكلٍ سنوي لفترةٍ من الزمن، وكان يُطلق عليه معرض اللوحة والمنحوتة الصغيرة..
قصارى القول
في هذه المعارض ماثلت اللوحة والمنحوتة الصغيرتان ماانسحب عليه من الأجناس الإبداعية الأخرى لاسيما من الأدب كما في القصة القصيرة جداً، أو القصيدة الومضة، أو ما أطلقنا في وقتٍ سابق (الأدب الوجيز)، وحتى بكثافة الفيلم السينمائي القصير.. وإن كان هنا الأمر يختلف قليلاً إذ إنّ الموضوع هنا لم يكن هو من قرر المساحة كما في الأجناس الإبداعية في الأدب على سبيل المثال، وإنما كانت مقدرة الفنان التشكيلي في طرح ذات الموضوع مرةً بصورة كبيرة، وأخرى بصورة صغيرة دون أن يغيّر أمر المساحة في شيء..!
كما يتفق مع تلك الأجناس الإبداعية التي تميل إلى القصر في الوصول للحالة الإبداعية بشكلٍ أسرع، تماماً كما فعلت القصيدة والقصة القصيرة «الأقصودة» عندما أراحت القارئ من عناء قراءة كامل القصيدة ليصل إلى «بيت القصيد» هنا أيضاً وصل متلقي اللوحة إلى «بيت التشكيل» بالطريقة ذاتها، مع أنّ اللوحة الصغيرة تخلق حالة من الحميمية أثناء إنجازها كما يذكر عدد من الفنانين قد لاتتوافر عند إنجاز اللوحة الكبيرة، بل ثمة الكثير من الفنانين التشكيليين لايستطيعون الإنسجام مع عملهم إلا أثناء تنفيذ اللوحات الكبيرة، لكن كلتا اللوحتين تبيّن أنها تحتاج الأشياء ذاتها من الفنان: الومضة المبدعة، والتمكن من التقنية، والقدرة على صنع مناخ لوني، وبصري يستطيع التأثير بالمتلقي، ومشاهد اللوحة.
شواغل متعددة
في معارض اللوحة والمنحوتة الصغيرتين؛ كانت تحضر تنويعات التشكيل بمختلف تلويناته، اللوحة التي اعتادت على تكريس المدن العتيقة لاسيما دمشق القديمة، ومعلولا، وطرطوس القديمة، وغيرها – على سبيل المثال – الكثير مما اشتغلت عليه الفنانة خلود السباعي التي استعارت لدمشق القديمة لوناً تفتقده من بيئة أخرى فلونت عمارتها بالأزرق المتناغم مع الأبيض الذي يوحي بالفقد، أما كلستان حمو فإنه كثيراً ما كان يحاول أن يضيّع متلقي لوحته عن أية عمارة قديمة يقصدها بهذا الكرم اللوني الطاغي عليه الأحمر والأصفر لتحول المشهد إلى ما يشبه القرميد القديم، فيما بقيت دمشق القديمة الموضوع الأثير لدى ناثر حسني كما كان دائماً في اشتغاله على ذات المكان في لوحاته التي كانت تميل إلى الحجوم الكبيرة.
وكذلك ما اشتغلت عليه الفنانة الراحلة غادة دهني في عدد لا يُستهان من أعمالها حيث كانت فيها أمينة على ذات المواربة التي اشتغلت عليها في السابق وهي التشكيل من خلف «مشربية» الزهور التي لم تكن أكثر من ستارة لذاتها الأنثى- المرأة بكلّ هواجسها، وهو ما اشتغل عليه الفنان التشكيلي بديع جحجاح على مدى تجربته الطويلة من اللوحات التي كان “بطلها” درويش من حبق في مختلف تلويناته وتكويناته..
الكفري والأيوبي
في بعض الأعمال الصغيرة للفنانين علي الكفري وباسل الأيوبي نجدهما يشتغلان على الطبيعة الصامتة من وجهة نظر خاصة، في هذا السعي لبث الحركة في صمت الأشياء وجعلها تخرج عن صمتها عندما يُزحم الأول أحد الأكواب بالطيور في هوسها للخروج من المساحة الضيقة إلى فضاء أكثر اتساعاً، أما باسل الأيوبي فقد ركّب للأشياء الصامتة أجنحة علّها تتحرك..!
وكذلك «الرسومات الخطية» لكلٍّ من محمد غنوم، وجمال بوستان، وجاسم محمد، وأحمد عبد الرزاق، وأكثم طلاع حيث تنوعت الحروف، والخطوط فيها من الغنائية اللونية كما عند غنوم، إلى التقشف والتعتيق كما في لوحات طلاع، وكان ثمة سعي لكلّ هذه اللوحات على إظهار جماليات الحرف كتشكيل، وليس كقراءة.
وكذلك في العالم
وكذلك في عشرات الأعمال الفنية الأخرى – نحت وتصوير- إذ لطالما جذبت اهتمام هواة الفن والنقاد على حدٍّ سواء، وعلى الرغم من صغر حجمها، إلا أنها تحمل في طياتها قدراً كبيراً من التفاصيل والتعقيد، وتعكس عبقرية الفنان وقدرته على التعبير عن أفكاره.. وما نراه عبر مسيرة العمل الفني لأكبر مشاهير الفن عبر التاريخ هو اللوحه الصغيرة مثل: «بابلو بيكاسو وفريدا كاهلو، وكلود مونيه»، والكثير غيرهم ما يدل على أن اللوحات الصغيرة هي كنوز فنية صغيرة الحجم، ولكنها كبيرة الأثر.
إذ تتوفر في الأعمال الصغيرة العناصر الفنية كلها من حيث التكوين، والتشكيل، ومن ثمّ هي ليست «ماكيت» كما عند الكثير من الفنانين للوحة أكبر، وقد نتفاجأ أحياناً بلوحات عالمية كنا نظنها أنها كبيرة الحجم لشهرتها، وإذ هي في الحقيقة لوحة صغيرة، فالجوكندا على سبيل المثال أبعادها (50-70سم) حتى إن فناناً مثل فان غوغ كانت أهم لوحاته أبعادها بين «30- 40سم».
الصدق الفني
هذه التقنية السردية كانت أم التشكيلية الميّالة إلى الإيجاز والتكثيف والانخطاف – على ما يرى الكثير من النقاد- فلم يعد من اللائق الشرح وصولاً إلى القصد في اللوحة أو إلى بيت القصيد في قصيدة الشعر، هنا يترك حبل المعنى للوحة وللقصيدة على غاربه، وليلتقطه المهتم على مهل أو حتى على عجل، فعفويتها، وسلاستها، وبعدها عن التعقيد والتقعيد يوصل فكرتها بألذ ما يستطيع إليه سبيلا، وهي الأعمال أيضاً التي تُناسب البيوت الصغيرة التي تميل بدورها صوب صغر المساحة التي يناسبها الأعمال الصغيرة، وهو ما يُمكن أن نجده لجهة سعر اللوحة.
بكل الأحوال فالعمل الفني الذي يخدم الأرض والوطن والإنسان هو عمل صادق، والعمل الصادق هو الوجه الحقيقي لكل فنان أصيل سواء كانت اللوحة صغيرة أم كبيرة المهم ما تحمله من معانٍ طالما من خلالها يستطيع الفنان أن يُعبّر بطريقة صحيحة عن مخزونه الفني أو ما خزنته ذاكرته من أفكار وقيم جمالية.



