الجامع العمري في درعا على قوائم «إيسيسكو» للتراث الإسلامي.. اعتراف رسمي بقيمته التاريخية والحضارية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – عمار الصبح:

يعود الجامع العمري في مدينة درعا إلى واجهة الضوء مجدداً، ليستعيد حضوره بعد إدراجه على قوائم التراث التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو»، في خطوة تؤكد الأهمية التاريخية والحضارية لهذا المعلم الحضاري، وترسخ مكانته بوصفه أحد أبرز الرموز الدينية والثقافية في المنطقة، وجزءاً أصيلاً من تاريخها وهويتها، فماذا يعني إدراج هذا المعلم الحضاري على قائمة التراث التابعة للمنظمة؟

اعتراف رسمي بقيمته التاريخية

شكّل الجامع العمري عبر تاريخه الضارب في القدم معلماً حضارياً احتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية لأبناء المحافظة، هذه المكانة التي ترسخت مع بداية العقد الماضي، مع انطلاقة الثورة السورية، حيث شكّل الجامع العمري في درعا البلد أول حاضنة لها، فمنه خرجت أولى المظاهرات ضد نظام القمع، ليصبح مركزاً للتجمعات الشعبية ومنبراً لخطباء الثورة، وشاهداً حياً على لحظة تحول تاريخي شهدتها سوريا، انتقلت فيها من الاستبداد إلى الحرية.
يشير الباحث في شؤون التراث محمد الشحمة في حديثه لـ «الحرية» إلى أن إدراج الجامع العمري على قائمة «إيسيسكو» يعني اعترافاً رسمياً بالقيمة التاريخية والحضارية لهذا الجامع الذي يعود تاريخه إلى 13 قرناً مضت، مضيفاً إن هذا الإدراج يمنح جهود الحفاظ عليه بُعداً دولياً جديداً، إذ يعزز التعاون مع المؤسسات المعنية بصون التراث، ويفتح المجال أمام برامج الدعم الفني والتدريب وتبادل الخبرات.

مكاسب وبرامج للدعم

يُرتّب إدراج «إيسيسكو» للجامع العمري على قوائمها مكاسب عملية وثقافية هامة للمنطقة، وبحسب الشحمة، يتيح الإدراج الاستفادة من برامج الدعم الفني كالتدريب وتبادل الخبرات مع مهندسين وخبراء دوليين لتأهيله والحفاظ على هويته، وفق المعايير العلمية الدقيقة للحفاظ على أصالته المعمارية دون تشويه، إضافة إلى تعزيز فرص إدراجه ضمن البرامج الثقافية والسياحية ذات الطابع الإسلامي.
كما يضفي على الجامع صفة «الموقع المحمي» دولياً، مما يفرض التزامات قانونية لصونه ومنع التعدي عليه، أو إحداث تغييرات عشوائية في محيطه الأثري، كما يسهم في إعداد سجلات علمية شاملة وموثقة توضح مراحل تطور بناء المسجد عبر العصور (منذ العهد الراشدي وحتى الأموي والمملوكي والعثماني).

13 قرناً من الحضارة

يُعد الجامع العمري من أقدم الجوامع التي أنشئت في بلاد الشام بعد الفتح الإسلامي، حيث تُعيد المصادر التاريخية بناء الجامع إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القرن السابع الميلادي.
وشهد الجامع خلال العصور الإسلامية المتعاقبة أعمال توسعة وإعادة بناء وترميم، حيث يشير الباحث الشحمة إلى أن البناء شهد إضافات وترميمات في فترات مختلفة، خصوصاً في العهدين الأيوبي والمملوكي، وظلّ الطابع المعماري العام محتفظاً بجذوره الإسلامية الأولى، وسقوفه المقبّبة، ومئذنته المربعة التي تظهر فيها سمات العمارة الأيوبية والمملوكية، والأقواس الحجرية المصقولة بعناية، والتي كوّنت جميعها بنية معمارية تُظهر ملامح التاريخ الإسلامي المبكر في حوران.

أيقونة الثورة

ولا تقتصر أهمية الجامع العمري على قدمه التاريخي وعناصره المعمارية الأصيلة فحسب، بل أيضاً في دوره ورمزيته، إذ لم يكن فقط مكاناً للعبادة وأداء الصلوات، بل مركزاً للحياة العامة في درعا، ففي ساحاته نُظمت حلقات العلم، وحلقات تدريس القرآن الكريم والحديث والفقه واللغة العربية، ومنها خرج العديد من العلماء والفقهاء الذين لعبوا دوراً مؤثراً في الحياة الاجتماعية للمنطقة، وفي باحاته كانت تعقد المجالس والمناسبات الدينية والاجتماعية، ما رسخ مكانته بوصفه أحد أهم المعالم الحضارية في جنوب سوريا.
وإضافة إلى القيمة التاريخية والدينية، يحمل الجامع العمري بعداً ثورياً مهماً، إذ شهد انطلاقة شرارة الثورة والاحتجاجات ضد النظام البائد في آذار 2011، ليتحول الجامع إلى رمز لصمود أهالي المحافظة، حيث ارتبطوا به ارتباطاً يتجاوز الطقوس الدينية ليصل إلى الذاكرة الجماعية والانتماء المكاني، ولعل هذا ما حاول النظام البائد محوه دون فائدة، إذ جعله هدفاً لقواته التي أمطرته بعشرات القذائف والصواريخ، وحوّلت أروقته إلى ساحات للمعارك، قبل أن يُدمّر مئذنته التاريخية في نيسان 2013.
واليوم يقف الجامع العمري شامخاً كأحد أبرز الشواهد التاريخية والدينية في درعا، جامعاً شكّل محوراً ثقافياً وروحياً واجتماعياً لأهالي المدينة على مر العصور، يحكي تاريخ مدينة وقصة ثورة انتصرت بفضل تضحيات أبنائها ودمائهم الزكية التي عبّدت الطريق إلى التحرير.

Leave a Comment
آخر الأخبار