التضخم يفرض تحديات متصاعدة على معيشة الأسرة السورية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – مركزان الخليل:

من المؤكد أن التضخم في سوريا اليوم لا يزال يشكل أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، وذلك بعد سنوات من الارتفاع المتواصل في الأسعار وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، وبالتالي فإن آثار التضخم باتت تتجاوز المؤشرات الاقتصادية لتطول مختلف جوانب الحياة اليومية، بدءاً من الأمن الغذائي إلى فرص الاستثمار ومستوى الدخل الحقيقي للأسر، وغير ذلك من آثار سلبية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي وحتى القطاعات الخدمية.

عوامل داخلية وخارجية

الخبير الاقتصادي إيهاب إسمندر يرى أن التضخم في سوريا لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل أصبح تحدياً هيكلياً يتطلب إصلاحات مالية ونقدية وإنتاجية متكاملة لضمان استعادة الاستقرار للحالة الاقتصادية العامة، مشيراً إلى أن التضخم خلال السنوات الأخيرة نتج عن مجموعة من الأسباب المتداخلة، تختلف درجة تأثيرها من عام إلى آخر، إلا أن أبرزها يتمثل في الزيادة الكبيرة في المعروض النقدي مقارنة بمعدل نمو الإنتاج السلعي، وهو ما يعرف بالتمويل بالعجز، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة السيولة من دون وجود زيادة مماثلة في حجم السلع والخدمات.
كما أسهم تراجع الإنتاج المحلي في ارتفاع الاعتماد على الاستيراد لتلبية معظم احتياجات السوق، ما جعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة للتضخم المستورد، خاصة مع ارتفاع الأسعار العالمية، وزيادة تكاليف الشحن والرسوم، إلى جانب تقلبات سعر صرف الليرة السورية، وهو ما يدفع التجار إلى احتساب هوامش تحوط إضافية عند تسعير السلع والمنتجات.

آثار مباشرة على معيشة المواطنين

ويشير إسمندر إلى إنه مع استمرار حالة التضخم تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة الأسر السورية، حيث تراجعت القدرة الشرائية بشكل كبير، وأصبحت نسبة واسعة من الأسر غير قادرة على تأمين احتياجاتها اليومية، وخاصة الأساسي منها.
كما أدى ارتفاع الأسعار إلى تراجع القيمة الحقيقية للأجور، إذ لم تعد الرواتب تغطي سوى جزء محدود من تكاليف المعيشة، الأمر الذي دفع كثيراً من الأسر إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، والاعتماد على بدائل أقل جودة أو الاستدانة لتأمين الاحتياجات الأساسية، وتغطية الحد الأدنى من مستلزمات المعيشة اليومية.

شهادات من الواقع

إبراهيم ديوب، موظف ورب أسرة لخمسة أبناء، يقول: «أصبح الراتب ينفد خلال أيام قليلة من استلامه، بينما تتغير أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر، وأصبح تأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة من أكبر التحديات اليومية».
وتشاطره الرأي صفية محمود، وهي ربة منزل، مع تأكيد اضطرارها إلى تقليل عدد الوجبات والاستغناء عن كثير من الأصناف الغذائية بسبب ارتفاع الأسعار، وأصبحت الأولوية فقط لتأمين ضرورات المعيشة اليومية.
الحال ذاته في رأي سالم العمري، وهو رب أسرة وموظف في القطاع الخاص، إذ يقول: «لم يعد بالإمكان التخطيط لأي مصروف مستقبلي، لأن الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من زيادة الدخل، ما يجعل الأسرة في حالة ضغط اقتصادي دائم، وحالة اجتماعية غير مستقرة أيضاً».

الاستثمار في قلب الأثر

وبالعودة إلى رأي الخبير إسمندر، فإنه يرى أن استمرار التضخم ينعكس سلباً على مناخ الاستثمار، إذ يؤدي إلى ارتفاع حالة عدم اليقين بشأن الأسعار والتكاليف والعوائد المستقبلية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى تأجيل قرارات الاستثمار أو البحث عن أسواق أكثر استقراراً، الأمر الذي ينعكس على فرص العمل والنمو الاقتصادي.

بعض الحلول المقترحة

أمام هذا الواقع، يقدم إسمندر مجموعة من الحلول لمعالجة التضخم من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات في مقدمتها: وقف تمويل عجز الموازنة عبر التوسع النقدي، والعمل على تخفيض عجز الموازنة إلى مستويات آمنة، وتحقيق استقرار وتوحيد سعر صرف الليرة السورية.
إلى جانب إنشاء صندوق مستقل للتثبيت النقدي، وتعزيز استقلالية المصرف المركزي، من دون تجاهل وجوب توسيع شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الأسر الأكثر هشاشة، والأهم ضرورة دعم الإنتاج المحلي، لا سيما المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، لتقليل الاعتماد على المستوردات وزيادة المعروض من السلع.

خلاصة القول

من خلال ما سبق يمكن القول إن مواجهة التضخم في سوريا لا يمكن أن تعتمد على أدوات نقدية فقط، وإنما تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة تعيد تنشيط الإنتاج، وتعزز الاستقرار المالي والنقدي، وتحسن بيئة الاستثمار، بما يسهم في استعادة التوازن بين الدخول والأسعار، ويحسن المستوى المعيشي للمواطنين، ويضع الاقتصاد السوري على مسار أكثر استقراراً واستدامة في كل المجالات الإنتاجية والخدمية، لتحقيق استقرار الحالة الاجتماعية والاقتصادية لأهم مكونات المجتمع ألا وهي الأسرة.

Leave a Comment
آخر الأخبار