فرص اقتصادية وتحديات.. ما الذي ستكسبه دير الزور من إحياء خط نفط كركوك – بانياس؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – عثمان الخلف:
تحتل محافظة دير الزور موقعاً جغرافياً لصيقاً بالمسار التاريخي لنقل النفط بين العراق وسوريا، إذ يمتد النهر عبر أراضيها من الحدود العراقية عند البوكمال وصولاً إلى شمال البلاد، في المسار ذاته الذي رافق تقليدياً حركة النفط والغاز بين البلدين. فالقرب الجغرافي والتاريخي يمنح المحافظة موقعاً طبيعياً يؤهلها لأن تكون واحدة من أكثر المناطق تأثراً – إيجاباً أو سلباً – بأي إحياء فعلي للخط، سواء من حيث مسار الأنابيب المحتمل، أو من حيث الحركة اللوجستية والتجارية المرافقة لأعمال الإنشاء والصيانة.

دير الزور على خط التماس الجغرافي للمشروع

وفي هذا السياق يؤكد الخبير الاقتصادي مازن الشاهين أن منطقة البوكمال الحدودية تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، كمنطقة تجارة حرة نظراً لموقعها على المعبر الحدودي مع العراق، وأي تنشيط لحركة النقل والخدمات اللوجستية المرتبطة بمشروع بحجم خط كركوك – بانياس من شأنه أن يعزز هذا الدور، عبر زيادة الطلب على خدمات النقل والتخزين والتموين وصيانة المعدات على طول المسار الحدودي.

من العمالة إلى سلاسل التوريد

تتوزع الفرص الاقتصادية المحتملة لدير الزور من مشروع إعادة التأهيل، وفق حديث الشاهين لـ«الحرية»، على مستويين رئيسيين: المستوى الأول مباشر ويتعلق بفرص العمل المرتبطة بأعمال الإنشاء والصيانة نفسها، من عمالة فنية وهندسية إلى عمالة مساندة في النقل والحراسة والخدمات اللوجستية على طول المسار. أما المستوى الثاني فهو غير مباشر ويتصل بتنشيط النشاط التجاري في المناطق المجاورة للمسار، من مواد بناء ومعدات وقطع غيار، إلى خدمات الإسكان والتموين والنقل التي يحتاجها العاملون والمقاولون الوافدون لتنفيذ المشروع.
كما يشير الشاهين إلى أن هذه الفرص ليست مضمونة تلقائياً، فالمشاريع الكبرى من هذا النوع تُدار عادة عبر ائتلافات دولية ذات قدرات تمويلية وتقنية ولوجستية ضخمة، تميل إلى التعاقد مع موردين ومقاولين من الباطن ذوي خبرة سابقة في مشاريع مماثلة، وغالباً ما تكون هذه الجهات إقليمية أو دولية بدورها، وبدون تدخل مؤسسي منظم لربط القطاع الخاص المحلي بسلاسل التوريد، تبقى استفادة دير الزور مرشحة لأن تقتصر على الحد الأدنى من العمالة غير الماهرة، بينما تذهب العقود الأكبر قيمة إلى شركات خارج المحافظة أو خارج سوريا.

عقبات تحد من الاستفادة المحلية

يشير الخبير الاقتصادي إلى التحديات الكبرى التي تواجه المشروع، وفي مقدمتها توفير التمويل اللازم لأعمال إعادة التأهيل الضخمة، واستكمال المتطلبات الفنية لتأهيل بنية تحتية متهالكة منذ عقدين، إلى جانب التحدي الأمني على امتداد المسار، والذي يوصف بأنه الأكثر حساسية نظراً لتاريخ الخط الحافل بالاستهداف والتخريب.
كما أضاف أن هناك تحديات خاصة بالاستفادة المحلية في دير الزور تحديداً، منها: ضعف قدرة كثير من المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المحافظة على استيفاء معايير التأهيل الفني والمالي التي تشترطها الشركات الدولية الكبرى للتعاقد كموردين، وغياب قاعدة بيانات موثقة ومحدّثة بالمنشآت المحلية القادرة على تقديم خدمات لوجستية أو مقاولات فرعية، ما يصعّب على الشركات الدولية اكتشاف الموردين المحليين المؤهلين، إضافة إلى محدودية التمويل المتاح للمنشآت المحلية لتوسيع طاقتها الإنتاجية أو تحديث معداتها استعداداً للمشاركة في مشروع بهذا الحجم، وحساسية الملف الأمني في المناطق الحدودية، والتي قد تدفع الشركات الدولية إلى تفضيل التعاقد مع جهات خارجية توفر ضمانات تشغيلية أعلى.

توصيات لتمكين القطاع الخاص المحلي

ولتفادي أن يتحول مشروع بحجم خط كركوك – بانياس إلى فرصة محصورة بالشركات الدولية الكبرى دون أثر يُذكر على اقتصاد دير الزور، يطرح الشاهين مجموعة من الخطوات العملية على هذا الصعيد، منها: إعداد سجل موثق ومحدّث بالمنشآت والمقاولين المحليين المؤهلين لتقديم خدمات النقل والتموين والصيانة والمقاولات الفرعية، وتعميمه على الشركات المشغلة للمشروع، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع ائتلاف الشركات الدولية المشرفة على إعادة التأهيل لعرض القدرات المحلية، والتفاوض على حصة عادلة من العقود الفرعية لصالح منشآت المحافظة، والتنسيق مع المصارف والجهات التمويلية لتوفير تسهيلات ائتمانية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تأهيل نفسها للمشاركة في سلاسل التوريد، ناهيك عن أهمية إطلاق برامج تدريبية متخصصة بالتعاون مع جهات فنية لتأهيل الكوادر المحلية في مجالات الصيانة واللحام وإدارة خطوط الأنابيب، تحضيراً لسوق العمل المرتقب.

غرفة تجارة وصناعة دير الزور تُتابع

في هذا السياق، تؤكد غرفة تجارة وصناعة دير الزور اهتمامها بمتابعة تفاصيل المشروع عن كثب، حيث أكد رئيسها زهير هزاع لـ«الحرية» ضرورة تمكين القطاع الخاص المحلي من المشاركة في سلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بأعمال إعادة التأهيل، مبيناً أن الاستفادة الفعلية للمحافظة لن تتحقق تلقائياً بمجرد مرور المشروع عبر أراضيها أو قربه الجغرافي منها، بل تستلزم عملاً مؤسسياً استباقياً.
فمشروع استراتيجي بهذا الحجم، وفق هزاع، يجب أن يترك أثراً ملموساً في الاقتصاد المحلي، لا أن يمر عبر المحافظة كممر جغرافي فحسب دون أن يستفيد سكانها ومنشآتها الصغيرة والمتوسطة من فرصه.

فرصة الزمن

أخيراً، ما تزال مذكرات التفاهم الموقعة في واشنطن بعيدة عن مرحلة التنفيذ الفعلي، إذ يُنتظر أن تُترجم الموافقات البرلمانية المرتقبة في العراق هذه المذكرات إلى اتفاقيات رسمية ملزمة، لكن هذه المرحلة المبكرة تحديداً هي ما يمنح دير الزور فرصة نادرة لوضع نفسها على خريطة الاستفادة قبل أن تُحسم ترتيبات التعاقد وسلاسل التوريد، فبين موقع جغرافي مؤهل، وقرب تاريخي من مسار الخط، ومتابعة مؤسسية معلنة من غرفة التجارة والصناعة، تملك المحافظة عناصر أولية لبناء موقف تفاوضي يضمن ألا تبقى استفادتها من هذا المشروع الاستراتيجي مجرد عبور جغرافي بلا أثر اقتصادي محلي.

Leave a Comment
آخر الأخبار