الحرية ـ عمار الصبح:
ألقى تراجع أسعار الخضر الصيفية في محافظة درعا إلى مستويات قياسية بظلال كئيبة على المزارعين، بعد أن تحولت وفرة إنتاجهم الزراعي إلى نقمة عليهم بسبب انهيار الأسعار وتكدس الإنتاج، إلى حد باتوا مهددين فيه بالخسارة، ولاسيما مع وصول الإنتاج إلى ذروته خصوصاً للمحاصيل الرئيسية كالبندورة والبطاطا.
غلة وفيرة
تشير التقديرات إلى ارتفاع في الإنتاج هذا الموسم، حيث قدرت مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في درعا إنتاج المزارعين من محصول البندورة خلال الموسم الزراعي الحالي بنحو 315 ألف طن، في ظل توسع المساحات المزروعة واستمرار المحافظة بتصدر الإنتاج الزراعي على مستوى سوريا، وذلك بالمقارنة مع 200 ألف طن سجلها الإنتاج في الموسم الماضي. وسجل محصول البطاطا فائضاً في الإنتاج هذا الموسم، مع تقديرات إنتاج تصل إلى 115 ألف طن من البطاطا ذات الأصناف الجيدة والمتميزة لغايات الاستهلاك والتصدير والتصنيع، فيما تشير تقديرات الموسم الماضي إلى إنتاج وصل إلى 60 ألف طن. وتعود هذه الزيادة في الإنتاج مقارنة بالموسم الماضي إلى زيادة المساحات المزروعة وتحسن الظروف المناخية نسبياً خلال فترة نمو المحاصيل.
انهيار في الأسعار
وتتزامن هذه الوفرة في الإنتاج، كما يشير مراقبون للشأن الزراعي، مع تراجع في قناتي التصدير والتصنيع المحلي، وعدم قدرتها على استيعاب كميات كبيرة من فائض الإنتاج، فيما يصب معظم الإنتاج في قناة الاستهلاك، ما أغرق الأسواق بالمنتجات وأدى بالتالي إلى انهيار الأسعار إلى مستويات قياسية لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، حسب وصف المزارعين.
وتراجعت أسعار المحصولين الرئيسيين البندورة والبطاطا خلال الشهرين الماضيين، حيث تراجع سعر كيلو البندورة من 80 ليرة في بداية حزيران إلى ما يقارب 15 ليرة حالياً في أسواق الجملة، بانخفاض وصل إلى 75%، كما تراجعت أسعار البطاطا من 50 ليرة إلى 20 ليرة حالياً.
تكاليف مرهقة
وأوضح المزارع غسان النوفل، بحديثه لـ«الحرية»، أن كلفة الإنتاج فاقت أسعار المنتجات في السوق، وهي أسعار «لا تغطي تكاليف الإنتاج ما قد يدفع الكثيرين إلى ترك محاصيلهم للتلف في المزارع هروباً من خسائر مضاعفة». وأشار المزارع إلى تضاعف أسعار مستلزمات الإنتاج هذا الموسم، إذ ارتفع ظرف بذار البندورة من 40 دولاراً في الموسم الماضي إلى ما يقارب 110 دولارات هذا الموسم، كما ارتفعت أسعار الأسمدة بنسب مشابهة، فيما تراجعت الأسعار إلى ما دون سعر التكلفة بكثير.
ويشكو مزارعو المحافظة من معضلة تسويق منتجاتهم وتكدسها في الأسواق المحلية، في ظل حضور خجول للتصدير، وتأخر معامل الكونسرة في استجرار محصول البندورة لكسب المزيد من الوقت وانخفاض الأسعار بشكل أكبر، على حد قولهم. كما يبين مزارعون أن ارتفاع أجور نقل المحاصيل من مناطق الإنتاج إلى سوق الهال المركزي بدمشق دفع كثيرين إلى تسويق إنتاجهم في السوق المحلية وبأسعار متدنية.
لماذا انخفضت الأسعار؟
بدوره، أعاد المتخصص في الشأن الزراعي المهندس قاسم السعدي السبب الرئيسي لتدهور الأسعار بالنسبة لمحصولي البطاطا والبندورة إلى زيادة الإنتاج بنسب تفوق حاجة السوق المحلية بكثير، لافتاً إلى أن النسبة الأكبر من الإنتاج باتت تتجه إلى الاستهلاك المحلي فقط، فيما تراجعت مؤشرات التصدير وكذلك الأمر بالنسبة للتصنيع، فضلاً عن عدم توفر منشآت كافية لتخزين محصول البطاطا.
وأشار السعدي لـ«الحرية» إلى غياب آليات لضبط الزراعة وعدم التوسع بها فوق المخطط، معتبراً أن وفرة الإنتاج هي نتيجة طبيعية لارتفاع المساحات المزروعة عن تلك المخططة فعلياً، إذ ارتفعت المساحات المزروعة فعلياً بالبندورة هذا الموسم بمقدار 1000 هكتار عن المساحة المخططة، فيما سجلت البطاطا مستويات أكبر، إذ تضاعفت المساحة المزروعة مقارنة بتلك المخطط لها وتجاوزت الزيادة 2000 هكتار.
واختتم السعدي حديثه بالقول: «كان على المزارعين التفكير أولاً في كيفية تسويق المنتج قبل التوسع في الزراعة، وإلا فالنتيجة زيادة في الإنتاج وضعف في التسويق وبالتالي انهيار في الأسعار ومزيد من الخسائر».
ختاماً، يمكن القول: إنه ليس الموسم الأول الذي تتدنى فيها أسعار الخضر الصيفية في ذروة إنتاجها، ولن يكون الموسم الأخير ما دامت آليات التسويق هي ذاتها، ما يفرض حتمية البحث عن قنوات جديدة لتصدير المنتج أو التوسع في الصناعات الغذائية، لضمان الحفاظ على أسعار متوازنة في السوق.