الحرية – إلهام عثمان:
في بيوتنا ومدارسنا، يتكرر مشهد يومي ليس بالجديد: طفل يذرف الدموع، فيُزجر بعبارات «الرجل لا يبكي» إن كان ذكراً، أو «البنات يجب أن تكون هادئة» إن كانت أنثى، وتمر السنون، ويصبح ذلك الطفل مراهقاً يعاني الاكتئاب أو القلق.
لكن السؤال الأكثر إيلاماً: أليس من الظلم أن نُعاقب طفلاً على بكائه اليوم، ثم ندفع ثمن علاجه النفسي غداً؟ ولماذا نصر على تعليم أبنائنا كبت مشاعرهم، بينما نعلم أن الثمن سيكون اضطرابات نفسية قد ترافقهم مدى الحياة؟ بينما يتساءل الجميع باستغراب: كيف انقلب الحال؟
خلل ثقافي عميق
يوضح خبير الصحة النفسية المجتمعية محمد إبراهيمي، من خلال لقاء مع «الحرية»، أن هذا السيناريو ليس صدفة، بل نتيجة حتمية لخلل ثقافي عميق، وأن العقاب العاطفي المبكر ليس تربية، بل زرع لبذور الاضطرابات النفسية التي تنمو مع الطفل حتى تثمر في المراهقة.
الرجل لا يبكي.. بين الوصم وكبت المشاعر
يشير إبراهيمي إلى أن الأولاد منذ نعومة أظفارهم يُعلّمون أن البكاء ليس من سمات الرجل، فـ«أنت رجل، لا تبكي» تحمل رسائل عميقة في اللاوعي الجمعي، وتفيد بأن التعبير عن الحزن والخوف دليل ضعف لا يليق بالرجولة، لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون، وفق رؤياه، هي أن هذه التنشئة تُجبر الرجل على دفن مشاعره وتخزين الألم داخله، ما يؤدي إلى تراكم الضغوط النفسية، مبيناً أن هذا الكبت لا يعني اختفاء المشاعر، بل تحولها إلى طاقة سلبية تبحث عن منفذ، فتظهر غالباً على شكل غضب مكبوت، أو عدوانية، أو سلوكيات إدمانية، أو انسحاب اجتماعي.
البنات.. كبت الغضب بصمت
وينتقل إبراهيمي ليشرح أن الفتيات، في المقابل، يتعلمن منذ الصغر أن الصوت العالي والغضب والبكاء المفرط غير لائقين بالأنثى، ويؤكد أنهن يُربّين على كبت غضبهن وحزنهن حفاظاً على الهدوء الأنثوي المطلوب، لكن ثمن هذا الكبت باهظ، إذ يتحول لاحقاً إلى أمراض نفسية جسدية، واضطرابات قلق، أو سلوكيات إيذاء الذات الصامتة، ويخلص إلى أن هذه الرسائل المزدوجة تصنع جيلاً لا يجيد التعامل مع مشاعره، ما يجعله أكثر عرضة للانهيار عند مواجهة ضغوط الحياة.
من دفاع نفسي إلى مرض مستقبلي
ويُعرّف إبراهيمي الكبت النفسي بأنه آلية دفاعية يستخدمها العقل دون وعي لتقليل مشاعر الذنب والقلق، حيث يحجب المشاعر والذكريات المرتبطة بتجارب مؤلمة، وينقلها من الوعي إلى اللاواعي.
ويوضح أن الكبت، رغم مساعدته على تهدئة المشاعر مؤقتاً، يؤثر سلباً على الصحة النفسية مستقبلاً، ويرفع خطر الإصابة بالاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، خاصة إذا ترسخ في بيئة لا تشجع على التعبير الصحي عن المشاعر.
حلول عملية.. من الأسرة إلى المدرسة
ويقدّم الخبير هنا حلولاً جوهرية مختصرة، ويقسمها إلى محورين:
أولاً – في الأسرة: استبدال عبارات الزجر بعبارات احتواء مثل: «أراك حزيناً، تعال أخبرني ما بك»، وتخصيص وقت يومي للحديث عن المشاعر دون حكم أو توبيخ، وأن يكون الأب قدوة في التعبير عن مشاعره أمام أبنائه، لكسر صورة «الرجل الحجري».
ثانياً- في المدرسة: إدراج حصص أسبوعية للتوعية العاطفية ضمن المنهاج، تُعلّم الأطفال كيفية التعرف على مشاعرهم والتعبير عنها، وتدريب المعلمين على لغة الحوار العاطفي بدلاً من لغة التوبيخ والعقاب، وتخصيص غرفة «الاستماع النفسي» في كل مدرسة، يلجأ إليها الطفل عندما يشعر بالضيق.
ويشدد الخبير على أن هذه الحلول ليست رفاهية، بل استثمار في صحة نفسية لأجيال قادمة، وتكلفتها أقل بكثير من علاج الاكتئاب لاحقاً.
ثقافة العيب والمراهقة.. لحظة الحقيقة
ويرى إبراهيمي أن ما يحدث ليس مجرد أسلوب تربية عابر، بل هو جزء من «ثقافة العيب» الأوسع، حيث أصبح العيب ثقافة معيقة تؤثر في مناحي الحياة كافة، محذراً من أن المراهقة مرحلة حرجة، حيث التغيرات الهرمونية والضغوط الأكاديمية والاجتماعية في ذروتها، لكن حين يأتي المراهق إلى هذه المرحلة وهو يحمل سنوات من كبت المشاعر، يكون أكثر عرضة للانهيار، ويلفت إلى أن ارتفاع نسب الانتحار بين الذكور في سن المراهقة يُعزى جزئياً إلى هذا الكبت المزمن، وعدم قدرة الرجل على طلب المساعدة.
البكاء ليس ضعفاً
وختم إبراهيمي بالتأكيد على أن دموع الرجل، مثل دموع المرأة، ليست ضعفاً، بل تعبير عن الإنسانية والقوة، فالرجل الذي يبكي ليس أقل رجولة، بل هو شخص يواجه ألمه بصدق، ويدعو إلى إعادة النظر في فهمنا للبكاء، فالرجولة الحقيقية تكمن في القدرة على الإحساس بالعواطف، والاعتراف بها، والتعبير عنها بشكل صحي.
بدلاً من أن نعلّم أطفالنا أن «الرجال لا يبكون» و«البنات هدوء»، يجب أن نربيهم على أن البكاء ليس عيباً، بل سمة إنسانية تسهم في شفاء النفس، وإلا سنظل نُعاقب الطفل على بكائه، ثم نُعالج المراهق من اكتئابه، دون أن ندرك أن الأولى كانت البذرة التي أنتجت الثاني.