مصادر الدخل البديلة.. خيار متزايد أمام الأسرة السورية لمواجهة الضغوط الاقتصادية

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – مركزان الخليل:

خلال السنوات الأخيرة، تعرضت الأسرة السورية إلى الكثير من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وحتى النفسية، وهذه بدورها فرضت واقعاً جديداً على معيشة الأسرة ومقومات البقاء التي تؤمن معيشة جيدة تتصف بالديمومة، حيث لم تعد الأسرة السورية تنظر إلى مصدر الدخل الواحد بوصفه كافياً لتلبية متطلبات الحياة اليومية، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع تكاليف السلع والخدمات، الأمر الذي دفع كثيراً من الأسر إلى البحث عن موارد إضافية، وتحويل بعض المهارات والإمكانات المتاحة إلى أعمال ومشروعات تساهم في تأمين جزء من احتياجاتها.

خيارات متعددة

تسلط «الحرية» الضوء على الخيارات الممكنة أمام الأسرة لتحسين الواقع وزيادة الدخول، فما بين العمل الإضافي بعد ساعات الدوام، والمشروعات المنزلية، والحرف والمهن الصغيرة، والزراعة المنزلية، والعمل الحر عبر الإنترنت، تتعدد الخيارات التي تحاول الأسر من خلالها تقليص الفجوة بين الدخل والنفقات، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى دعم أكثر استدامة للمشروعات الصغيرة وربطها بالتدريب والتمويل والأسواق، لفرض معادلة جديدة يستفيد منها الجميع، وتأتي الأسرة في مقدمة المستفيدين.

الظروف الاقتصادية والخيارات المفروضة

قال الحرفي محمد قلعجي لـ«الحرية» إن تعدد مصادر الدخل أصبح من الوسائل المستخدمة للتعامل مع الواقع المعيشي، إذ يلجأ الكثير من أفراد الأسر إلى عمل إضافي، فيما تتجه أسر أخرى إلى اعتماد مصادر أخرى كإنتاج مواد غذائية أو حرفية من المنزل وتسويقها ضمن محيطها المحلي وفق آلية سهلة ومفيدة، وبالتالي، هذا التوجه لا يقتصر على محاولة زيادة الإيرادات، إذ يساهم إنتاج بعض الاحتياجات داخل المنزل، كالمنتجات الغذائية أو الزراعية، في تخفيض جزء من النفقات، ويمكن أن يتحول الفائض إلى مصدر دخل عند تسويقه.

مهارات تتحول إلى مصدر دخل

وبنفس السياق، يرى الصناعي محمد الحلاق أن المشروعات المنزلية تشكّل أحد الخيارات المتاحة أمام الأسر، ولا سيما في مجالات الصناعات الغذائية والخياطة والحياكة والحرف اليدوية وإعداد المأكولات وبعض الخدمات المهنية، وبالتالي، فإن أهمية هذه المشروعات تكمن في إمكانية البدء بإمكانات محدودة نسبياً، والاستفادة من مهارات يمتلكها أفراد الأسرة مسبقاً، إلا أن استمرارها ونموها يرتبطان بعدة عوامل، أبرزها تأمين المواد الأولية، وضبط تكاليف الإنتاج، والوصول إلى المستهلك، والتسويق، وتوافر التمويل المناسب، وبتوفير كل ذلك يمكن تعظيم الفائدة من هذه المشروعات في مقدمتها زيادة دخل الأسرة وتحقيق بعض رفاهيتها.

تجارب من الواقع

وللتوضيح أكثر، التقت «الحرية» بعض أرباب الأسر وخاصة ممن يمارسون أنشطة ومشروعات تجارية تندرج ضمن السياق المذكور، حيث أكدت السيدة وصال المحمد (ربة منزل) أن ضعف الدخل العام للأسر السورية يفرض عليها البحث عن التعويض لردم الفجوة بين النفقات والمتوافر منها، والحاجة الفعلية لردم الفجوة بين الإنفاق والمدخول الفعلي، وهذا التعويض لابد أن يمر بمشروعات مدرة للربح لكنها تحتاج لرأس المال، ودراسة طبيعة الإنتاج، وحجم مساهمته في دخل الأسرة، وأيضاً دراسة الصعوبات التي تواجه التسويق وقبلها كيفية تأمين المواد الأولية وغيرها.

الزراعة المنزلية.. تخفيض للنفقات ومصدر للدخل

لكن المجال الأوسع لنجاح المشروعات الصغيرة المساعدة لزيادة الدخل هي الزراعات المنزلية، حيث ترى المهندسة الزراعية مرح ميهوب أن المناطق الريفية وبعض المناطق الحضرية التي تتوافر فيها مساحات مناسبة، تمثل الزراعة المنزلية فيها خياراً يجمع بين تأمين جزء من الاحتياجات الغذائية وإمكانية تحقيق دخل من خلال تسويق الفائض.

حيث تشير معظم التجارب إلى أنها يمكن أن تسهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي وتخفيف الاعتماد على الأسواق، إضافة إلى توفير مورد مالي عند بيع المنتجات الفائضة، ولا سيما للأسر محدودة الدخل والتي كانت تعتمد على مصدر دخل وحيد.

وتشمل بعض هذه المشروعات زراعة الخضار وبعض الأشجار المثمرة وتربية الدواجن أو الحيوانات ضمن الإمكانات المتاحة، إضافة إلى تصنيع بعض المنتجات الزراعية والغذائية وتسويقها ضمن الإطار المحلي، وقد يتجاوز إلى أماكن أخرى بعد زيادة الإنتاجية.

التسويق الإلكتروني مصدر متجدد

لم يقتصر رأي ميهوب على هذا المجال فقط، بل أكدت أنه هناك مجالات أخرى يمكن أن تشكل مصادر دخل وعمل إضافي للأسر السورية لزيادة دخلها وتحسين واقعها المعيشي، وهذا يكمن في التسويق الإلكتروني والتعليم والخدمات المهنية، لكن هذا النوع من العمل يحتاج إلى مهارات متخصصة، وتدريب مستمر، وإمكانية الوصول إلى الأسواق والمنصات المناسبة، إضافة إلى معالجة التحديات المرتبطة بوسائل الدفع والتحويلات المالية.

حاجة متزايدة لمصادر دخل

ضمن ما سبق من أفكار وآراء حول مصادر دخل الأسرة السورية، تؤكد الخبيرة التنموية الدكتورة لبنى بشارة أن حاجة الأسرة تتزايد إلى إيجاد مصادر دخل إضافية في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وما يرافقها من ارتفاع في تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي دفع العديد من الأسر إلى البحث عن أعمال ومشروعات صغيرة تساعدها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وترى الخبيرة بشارة أن توفير مصادر دخل بديلة أصبح حاجة ملحة للعديد من الأسر السورية، في ظل الصعوبات المرتبطة بتأمين الطعام واللباس والدواء وغيرها من متطلبات الحياة اليومية الأساسية.

تراجع فرص العمل

وتشير بشارة إلى أن عدداً من العوامل الاقتصادية أسهم في زيادة الضغوط على الأسرة السورية، أبرزها التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدخل، إضافة إلى تراجع فرص العمل نتيجة خروج عدد من المؤسسات والمنشآت من سوق العمل، مبينة أن استمرار الفرد في وظيفته لا يعني بالضرورة قدرة راتبه على تغطية متطلبات الأسرة.

أنشطة منزلية لتأمين دخل إضافي

وتوضح بشارة أن الأسرة تستطيع، وفق الإمكانات المتاحة لديها، الاستفادة من مجموعة من الأنشطة الإنتاجية والخدمية كمصادر دخل إضافية، ومنها تصنيع المنتجات الغذائية المنزلية كالمخللات والمجففات والمأكولات الشعبية والحلويات وبيعها ضمن المحيط الاجتماعي أو في المناسبات. كما يمكن الاستفادة من مهارات الخياطة والأشغال اليدوية، مثل صناعة الإكسسوارات والكروشيه والحقائب والتطريز، وتسويق المنتجات ضمن الحي ومحيط الأسرة والأصدقاء، أو عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، وتشكل الزراعة المنزلية خياراً آخر لبعض الأسر التي تمتلك شرفة أو سطحاً أو حديقة، وفي المناطق الريفية، تلفت بشارة إلى إمكانية اعتماد بعض الأسر على تربية الدواجن أو الماعز والأغنام بأعداد محدودة لتأمين جزء من احتياجاتها، مع إمكانية بيع الفائض في حال توسع الإنتاج.

تشاركية برأس مال محدود

وفي السياق ذاته، تتجه بعض المجموعات والأفراد إلى المشاركة في تأسيس مشروعات صغيرة برؤوس أموال محدودة، مثل الصالات الرياضية ومراكز التجميل البسيطة وخدمات تنظيف المنازل وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تنطلق بإمكانات متواضعة وتستهدف احتياجات المجتمع المحلي، وتؤكد أن هذه الخيارات، بحسب بشارة، أهمية تنويع مصادر دخل الأسرة وعدم الاعتماد على مصدر واحد، والاستفادة من المهارات المتوافرة لدى أفرادها والموارد المتاحة في محيطهم.

Leave a Comment
آخر الأخبار