الحرية – رانيا يوسف علي:
يثير الانتشار المتسارع لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المفتوحة المصدر، مثل «Kimi K3»، تساؤلات متزايدة بشأن المخاطر الأمنية المحتملة المرتبطة باستخدامها، خاصة مع توسع اعتماد المؤسسات والمطورين على هذه النماذج في تطبيقات حساسة. ورغم أن المخاوف غالباً ما تتركز على مصدر النموذج أو شفافية الأكواد البرمجية، فإن الخبراء يرون أن طبيعة البرمجيات مفتوحة المصدر ليست في حد ذاتها المشكلة الأساسية، بل تعتمد المخاطر على كيفية دمجها وتشغيلها داخل الأنظمة الرقمية.
مخاطر أمنية تتجاوز الحدود الجغرافية
تتمثل أبرز المخاطر في احتمالية استغلال الثغرات الأمنية أو إساءة استخدام النماذج في تنفيذ هجمات إلكترونية، أو إدخال مكونات برمجية غير موثوقة ضمن سلاسل التوريد الرقمية، إضافة إلى مخاوف تتعلق بحماية البيانات والخصوصية عند استخدام النماذج دون ضوابط أمنية كافية.
ومع ذلك، فإن هذه التحديات لا تقتصر على النماذج الصينية، بل تنطبق على أي نموذج مفتوح المصدر يتم نشره أو تطويره دون مراجعات أمنية وإجراءات حوكمة فعالة.
ويخلص سام ساكس، زميل بارز في مؤسسة «نيو أميركا» ومعهد أميركا والصين ومستقبل الشؤون العالمية في جامعة جونز هوبكنز، في مقال نشرته «فايننشال تايمز»، إلى أن «المشكلة الحقيقية لا تكمن في البرمجيات مفتوحة المصدر في الخارج، بل في غياب التنسيق لحماية البنية التحتية في مواجهة الهجمات الإلكترونية».
موقع التشغيل لا المصدر
ويشير الخبراء إلى أن التمييز الجوهري لا يكمن في بلد المنشأ، بل في مكان تشغيل النموذج وكيفية إدارة البيانات، فالنماذج مفتوحة المصدر، مثل Kimi K3، تتيح تحميل وتشغيل المعلمات من قبل أي شخص، ويمكن للشركات تحميل الأوزان وضبط النموذج بدقة، ثم تشغيله على سحابتها الخاصة أو بنيتها التحتية.
ويوضح الدكتور أحمد بانافع، خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في جامعة سان هوزي الحكومية بولاية كاليفورنيا، لموقع «اقتصاد سكاي نيوز عربية»، أن «الخطر الحقيقي لا يكمن في كون النموذج صينياً أو أميركياً، وإنما في مكان تشغيله، ونوعية البيانات التي يتم إدخالها إليه، ومدى موثوقية مصدره، وطبيعة التطبيق الذي سيُستخدم فيه». ويضيف أن النماذج الصينية ليست جميعها مصدراً للخطر، كما أن النماذج الأميركية أو الأوروبية ليست بمنأى عن المخاطر الأمنية أو التقنية.
الشفافية والتوثيق.. عوامل حاسمة
من أبرز المخاطر التي ينبغي أخذها في الاعتبار، أمن سلسلة التوريد، إذ قد تتضمن بعض النماذج أو الأدوات المصاحبة لها تعليمات برمجية أو مكونات إضافية غير مدققة. ويؤكد بانافع ضرورة التحقق من مصدر النموذج وسلامة ملفاته قبل تنزيله من المستودعات العامة، مشيراً إلى أن «الخصوصية وحماية البيانات تمثلان عاملاً أساسياً في تقييم المخاطر، فاستخدام النموذج عبر خدمات سحابية قد يؤدي إلى انتقال البيانات إلى خوادم خارج الدولة، بينما ينخفض هذا الخطر بصورة كبيرة عند تشغيل النموذج محلياً داخل بيئة المستخدم».
ويضيف أن بعض النماذج قد تعكس تحيزات أو ضوابط ثقافية وسياسية ناتجة عن طبيعة البيانات التي تدربت عليها، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف طريقة تعاملها مع بعض الموضوعات الحساسة مقارنة بنماذج أخرى، كما أن النماذج المفتوحة يمكن لأي جهة تعديلها أو إعادة نشرها، بغض النظر عن بلد المنشأ، وهو ما يستوجب التأكد من استخدام النسخ الأصلية الموثقة وعدم الاعتماد على نسخ معدلة مجهولة المصدر.
استخدامات آمنة في بيئات محكومة
وحول ما إذا كان ينبغي تجنب هذه النماذج، يؤكد بانافع أن القرار يعتمد على طبيعة الاستخدام، موضحاً أن النماذج مفتوحة الأوزان يمكن استخدامها بأمان نسبي في مجالات التعليم والبحث والتطوير، لا سيما عند تشغيلها محلياً وبعد التحقق من مصدرها.
أما الشركات، فينبغي أن تسبق عملية دمجها في الأنظمة الداخلية مراجعة أمنية شاملة وتقييم لمدى الامتثال، بينما تتبع الحكومات والقطاعات الحساسة عادة سياسات أكثر تشدداً قد تتطلب مراجعات أمنية دقيقة أو تحد من استخدام بعض النماذج الأجنبية.
ويشير رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، إلى أن «المخاطر المرتبطة باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر لا تقتصر على النماذج الصينية وحدها، بل تشمل جميع النماذج المفتوحة التي قد تفتقر إلى ضوابط كافية لحماية البيانات والأمن السيبراني»، مؤكداً أن «الشركات التي تعتمد على هذه النماذج يجب أن تضع سياسات واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وأن تطبق أعلى معايير الأمن السيبراني وحوكمة البيانات».