على شواطئ الساحل السوري.. ثلاث سلاحف بحرية تواجه أخطاراً متزايدة

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – رنا الحمدان:

تمثل السلاحف البحرية جزءاً مهماً من توازن النظام البيئي البحري، وتؤدي دوراً في الشبكات الغذائية البحرية، ما يجعل الحفاظ عليها مرتبطاً بحماية التنوع الحيوي وسلامة البيئة الساحلية ككل. وعلى الرغم من استمرار وجود ثلاثة أنواع من السلاحف البحرية في المياه والشواطئ السورية، فإن هذا الوجود يواجه ضغوطاً متزايدة بفعل النشاط البشري وتدهور الموائل والتلوث ومخلفات الصيد، في وقت لا تزال فيه البيانات السنوية الدقيقة حول أعدادها ومعدلات تكاثرها محدودة.
وحول هذا الموضوع، أوضح المهندس علاء صالح، ماجستير بحوث بحرية – قسم بيولوجيا بحرية، لـ«الحرية» أن الدراسات المتاحة تشير إلى وجود ثلاثة أنواع من السلاحف البحرية في المياه والشواطئ السورية، هي السلحفاة الخضراء، والسلحفاة كبيرة الرأس، والسلحفاة جلدية الظهر.
وأضاف إن السلحفاة الخضراء تصنف عالمياً ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، والسلحفاة كبيرة الرأس ضمن الأنواع المعرضة للخطر، فيما تصنف السلحفاة جلدية الظهر عالمياً ضمن الأنواع المعرضة للخطر، وفق التصنيف الحالي للاتحاد الدولي لصون الطبيعة.

شواطئ تتحول إلى مواقع للتعشيش

تتركز أهم مواقع التعشيش على الشواطئ الرملية، التي تمثل محطة أساسية في دورة حياة السلاحف البحرية. ووفق دراسة نشرت للباحثين عام 2024 في مجلة جامعة تشرين، جرى توثيق 10 مناطق شاطئية رملية رئيسية للتكاثر والتعشيش على الساحل السوري، بطول إجمالي يقارب 50 كيلومتراً، تشمل البدروسية، والبسيط، وأم الطيور، ووادي قنديل، والشاطئ الأزرق، والشقيفات، والرمال الذهبية، والأحلام–عمريت، والمنطار، والحميدية. وتابع صالح أن المنطقة الجنوبية من الساحل، ولا سيما الشريط الممتد جنوب طرطوس، تظهر أهمية خاصة، فقد سجلت دراسة عام 2020 نشاطاً لتعشيش السلحفاة كبيرة الرأس والسلحفاة الخضراء على امتداد نحو 40 كيلومتراً جنوب طرطوس حتى الحدود اللبنانية، مع وجود نحو 10 كيلومترات مناسبة للتعشيش. في المقابل، تتركز مشاهدات السلاحف للتغذي والعبور في عدد من المناطق البحرية، بينها جون جبلة ومحمية رأس ابن هاني البحرية، إضافة إلى مشاهدات أقل في مياه البسيط وبعض الموانئ والشواطئ في اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس.
يبدأ موسم وصول السلاحف إلى الشواطئ السورية للتعشيش ووضع البيوض عادةً من منتصف حزيران حتى أواخر آب. ولفت صالح أن دراسة ميدانية جنوب طرطوس أجرت مسحاً يومياً للشاطئ بين 20 حزيران و29 آب عام 2016، وسجلت 36 أثراً للسلاحف، بينها 13 عشاً موثقاً، وكان معظم الأعشاش للسلحفاة كبيرة الرأس، فيما بلغت ذروة التعشيش خلال الأسبوع الثاني من تموز. وتكشف هذه الأرقام أهمية الشواطئ الرملية خلال فترة قصيرة من العام، فأي تدخل بشري خلالها قد يعني خسارة عش، أو تعريض الأنثى للخطر، أو إعاقة وصول الصغار إلى البحر.

المؤشرات مقلقة

نوّه صالح أنه بالرغم من أهمية الساحل السوري للسلاحف، فلا توجد حالياً عملية رصد وطنية سنوية منتظمة تسمح بتحديد حجم الجماعات المتكاثرة بدقة، وقد غطت الدراسات المتوفرة مناطق وفترات زمنية محددة، لكنها لا تكفي لبناء سلسلة زمنية طويلة يمكن من خلالها قياس اتجاهات أعداد السلاحف. لكن المؤشرات المتاحة تثير القلق، ومن أبرزها تكرار حالات النفوق، وتراجع فرص التعشيش الآمن، وندرة الدلائل على التكاثر في بعض المواقع، إلى جانب الصيد العرضي والقتل المتعمد وجمع البيوض. وتبرز دراسة جنوب طرطوس مثالاً على حجم المشكلة، إذ رصد الباحثون 106 سلاحف نافقة خلال عامي 2016 و2017، منها 95 سلحفاة كبيرة الرأس و11 سلحفاة خضراء، وكانت نحو 86% من السلاحف النافقة من الأحداث أو شبه البالغة.
كما تم رصد نفوق جماعي لـ12 سلحفاة في شاطئ الشقيفات بين 2018 و2021، وربطت الدراسة، إلى جانب إفادات الصيادين، حالات النفوق والإصابات بالصيد بالشباك والصيد بالديناميت بوصفهما من العوامل الرئيسية.
وبحسب صالح، فإن شباك الصيد التالفة أو المتروكة تعد من أخطر التهديدات، فالسلحفاة التي تعلق في شبكة قد تعجز عن الصعود إلى سطح الماء للتنفس، ما يؤدي إلى غرقها ونفوقها، كما يمكن لمعدات الصيد المهجورة أن تسبب إصابات بالغة أو تمنع السلحفاة من الحركة والتغذي.
ولا تتوقف المخاطر عند ذلك، فالصيد بالديناميت، والقتل المباشر للحصول على اللحم أو القوقعة، وجمع البيوض، كلها عوامل تضغط على جماعات السلاحف التي تحتاج لسنوات طويلة حتى تبلغ مرحلة التكاثر.

البلاستيك وعقبات في طريق الصغار

أشار صالح إلى أن أكياس النايلون قد تبدو مجرد نفايات عابرة، لكنها بالنسبة إلى السلاحف البحرية يمكن أن تتحول إلى قاتل صامت، فالسلاحف قد تبتلع الأكياس البلاستيكية بعدما تخلط بينها وبين فرائسها، وخصوصاً قناديل البحر، ما قد يؤدي إلى انسداد الجهاز الهضمي وسوء التغذية أو النفوق.

كما تشكل النفايات عائقاً أمام حركة الإناث والصغار على الشاطئ، في وقت تكون فيه السلحفاة الصغيرة في سباق حاسم للوصول من العش إلى البحر. لا يقتصر خطر النشاط البشري على الصيد والتلوث، فالإضاءة الليلية القوية على الشواطئ يمكن أن تربك السلاحف حديثة الفقس، التي تعتمد على الإشارات الضوئية الطبيعية المرتبطة بأفق البحر لتحديد اتجاهها. كما يمكن للآليات والحيوانات أن تدوس الأعشاش،
في حين قد تعيق مسارات الجرارات الزراعية وحفر السرطانات حركة الصغار باتجاه البحر. وتزداد هذه الضغوط مع التغير المناخي؛ إذ يمكن لارتفاع مستوى سطح البحر أن يغمر أجزاء من الشواطئ الرملية المناسبة للتعشيش، فيما تؤثر التغيرات الحرارية في البيئة البحرية وفي ظروف نمو الأجنة.

حماية السلاحف

وأشار صالح إلى أن المقترحات المطروحة لحماية السلاحف البحرية تتضمن إنشاء محميات شاطئية، وحماية مواقع التعشيش، وإعادة تأهيل الموائل المتدهورة، والحد من الصيد العرضي والمتعمد، وتنظيم الإنارة والبناء والأنشطة القريبة من الشاطئ خلال موسم التكاثر. كما توجد جهود للتوثيق العلمي، من بينها حفظ عينات مرجعية في متحف التنوع الحيوي التابع للمعهد العالي للبحوث البحرية بجامعة تشرين، إلى جانب وجود خطة عمل وطنية سابقة.
لكن الخطوة الأكثر إلحاحاً حسب صالح تتمثل في إطلاق برنامج وطني طويل الأمد لرصد الأعشاش والسلاحف النافقة والناجية ومواقع التغذي والتعشيش، فمن دون بيانات سنوية منتظمة، يصعب معرفة حجم التراجع الفعلي وتحديد المناطق التي تحتاج إلى الحماية أولاً. ويختم صالح بالقول إن السلاحف البحرية لا تحتاج إلى الكثير كي تعود إلى شواطئها؛ تحتاج فقط إلى أن نترك لها مساحة آمنة لتكمل دورتها الطبيعية.

Leave a Comment
آخر الأخبار