الأديب أحمد يوسف داود.. رحلة إبداعية بين العقل والجنون

مدة القراءة 9 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الراعي:

تتجاوز اليوم مؤلفات الأديب السوري أحمد يوسف داود الثلاثين كتاباً، وقد دُرِّس أحدها في جامعة جزائرية، وهو كتابه النقدي الأول الصادر عن وزارة الثقافة السورية سنة 1980 بعنوان «لغة الشعر»، واعتُبر الكتاب السوري الأول في نقد الشعر الحديث، وكانت روايته الأولى «الخيول» التي صدرت عن وزارة الثقافة السورية أيضاً قد دُرست كمقرر لطلاب السنة الرابعة في قسم الأدب العربي، ولطلاب الدراسات العليا في القسم نفسه بجامعة اللاذقية، لأكثر من عقد كامل (كمقرر). وكان الدكتور علي نجيب إبراهيم هو الذي درّسها، وهو الآن – ومنذ نحو عقدين – يدرّس رواياته الخمس في مركز دراسات الآداب العالمية التابع للسوربون بباريس. 
ومن جهة أخرى، فإن كتابه «الميراث العظيم.. إعادة بناء المنجز الحضاري العربي منذ بدء التحضر حتى ظهور الإسلام»، الذي استغرق منه نحو أربعة عشر عاماً بسبب البحث عن المراجع الموثقة التي كانت نادرة في تلك الفترة، فقد صدر عن دار المستقبل بدمشق سنة 1990.

 عند جبال الدريكيش

باختصار، لقد شكّل الأديب داود حالة ثقافية فيها الكثير من العلامات الفارقة على مدى عقود، الذي لم يكتف بجنس إبداعي واحد، وإنما شدّ قلمه إغواءات الكتابة على تنوعها وتلاوينها، فقد ذهبت باتجاه النقد، والشعر، والرواية، والأبحاث، والنص المسرحي، والتاريخ، وروايات للفتيان، والمقالة الصحفية، وفيما بعد كتابة السيناريو التلفزيوني.
وله في النقد على سبيل المثال: «لغة الشعر»، «نحو نظرية جديدة في النقد العربي»، «إعادة بناء المنجز الحضاري العربي بين الألف الرابع قبل الميلاد وظهور الإسلام».
وفي الشعر له: «أغنية الثلج»، «حوارية الزمن الأخير»، «القيد البشري»، «قمر لعرس السوسنة»، «أربعون الرماد»، و«مهرجان الأقوال».. وغيرها الكثير.
أما في الرواية التي برز فيها، فكان له: «الخيول»، «دمشق الجميلة»، «الأوباش»، «تفاح الشيطان»، و«فردوس الجنون». عدا عن عشر مسرحيات منشورة في الصحف والمجلات، منها: «الخطا التي تنحدر»، «مالكو يخترق تدمر»، و«جلجامش».
أما في التاريخ، فقد كتب عن: «سيرة المجاهد سعيد العاص»، و«الميراث العظيم».. إضافة إلى أبحاث في عدة كتب مشتركة، ومئات الدراسات والمراجعات النقدية.
ونستذكر اليوم الأديب أحمد يوسف داود، الذي ملّ ضوضاء المدينة منسحباً بهدوء باتجاه هدأة جبال الدريكيش، غير أن حالة الإبداع بقيت إحدى معالم هذا الرجل، تلاحق صاحب «قمر لعرس السوسنة» لا يزال حاضراً في المشهد الإبداعي السوري، وإن ابتعد عن «دمشق الجميلة» وهما روايتان له صدرتا في أوقات سابقة.

قلم متنوع النتاجات

وهو في كل هذا النتاج الثّر، كان التنوع هاجسه، تنوع كثيراً ما بدا انعطافياً في الكثير من الأحيان، سواء بالانتقال من جنس إبداعي إلى آخر، أو الانعطافات الكبيرة ضمن النوع الأدبي الواحد، وسآخذ مثالين فقط لتأكيد ما أقول، هما روايتيه: «الخيول» و«فردوس الجنون»، وعنهما أسأله: في رواية الخيول الخطاب إلى القارئ – إن صح التعبير – كان واضحاً إلى حد ما، بينما في رواية فردوس الجنون، فإن الخطاب إلى القارئ اتخذ طابع الإيحاء، وربما الغموض في بعض الأحيان؟
فيجيب: «الخيول» تتبع منهجاً كلاسيكياً في كتابة الرواية، أما «فردوس الجنون» ففيها تجريب، وفيها إعادة نظر في الأسطرة، كل شيء يبدو أسطورياً، الفرق بين الحلم والحقيقة شعرة، وبين الجنون، وعلى تخوم الجنون والعقل، تسير الرواية، أردتُ – يضيف – أن أعبر عن الإنسان الذي سُرق منه زمنه.
أما زمان كتابة الخيول فكانت تحديداً بين عامي 1971 و1972، وبعدها كتبت رواية «دمشق الجميلة»، وذلك الزمن مختلف تماماً عن تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم أصبحت ثقافتي ورؤيتي للعالم مختلفة كثيراً، أصبحت أكثر اطلاعاً وتمثلاً لثقافتنا، وثقافات العالم، وأردتُ أن أجسّد في «فردوس الجنون» هذه المسألة، كيف يُمحق الإنسان في هذا العصر، وكيف يمكن أن يعود إنساناً حقيقياً طبيعياً عندما يعود إلى الشجرة الوحشية التي هي أصالته، وتأريخه، ومنبته.. هذه الشجرة الوحشية التي تحتاج إلى تقليم، لاحظ هذه الشجرة، وقارن بينها وبين شجرة الخروب في النص الروائي ذاته، إذ يجب أن لا تفوتنا الرموز التي ربما تكون ثقيلة على القارئ العادي، عندما تكتب يكون في ذهنك قارئ لكن الشخصيات تخرج على ما تريد، طبعاً هذه الشخصيات من دواخلنا تريد أن تفصح عما تحتويه كأنها مشحونة بطاقة، وعندما تفتح بواباتها، فهي تخرج، ولا تسأل عنك.

فردوس الجنون

وأسأل صاحب «مهرجان الأقوال» أيضاً: من المقارنات الأخرى بين رواية الخيول وفردوس الجنون، إنه يُلاحظ في الأولى طغيان الاجتماعي بهمومه وإشكالياته، وممارساته على السياسي، أما في فردوس الجنون، فلوحظ العكس، أي طغيان السياسي على الاجتماعي، فهل أردت من ذلك نوعاً من التوازن بين الروايتين؟

يجيب صاحب «تفاح الشيطان»: الاجتماعي حاضر في كل التمزقات التي تراها في فردوس الجنون، الشخصيات ممزقة، والمجنون وحده هو من يقاوم حسب زعمهم.. هذا الشيء يقودنا لنرى حقيقة ما يجري أن تكون جزءاً من تطبع، وأنت تراه مبعثراً، كل يفكر، داخله في مكان، وجسده في مكان آخر، هذا هو مضمون سرقة الإنسان من زمانه، أي بينه وبين الواقع حالة خصام.. وفي كل الأحوال القارئ نخبوي في النهاية، وعليه أن يعي منظومات الترميز ودلالاتها، أعتقد أن فردوس الجنون تطفو فوق الخيول بما لا يُقاس نسبياً، وهذا رأيي الخاص، فأنا أحب عملي، وأعتقد لو كان العمل لغيري لقلت القول ذاته.

رؤية من زاوية أخرى

وفي بحث أكاديمي، تذكر الباحثة ريتا مالك علي في رسالة الماجستير التي أعدتها عن الريف الساحلي وبعض ريفي حمص وحماة في أدب الكاتب أحمد يوسف داود، فتقول: لقد رصدت الروايات المدروسة أهم التحولات الاجتماعية والنفسية للمجتمع السوري آنذاك، وتحديداً المجتمع الريفي السوري الذي عانى زمناً طويلاً من ممارسات الذيول التي خلّفها المحتل في أرض سوريا بعد استقلال البلاد، من ممارسات إقطاعية، خلّفت وراءها برجوازية ربحية، أثقلت كاهل الريف السوري بشتى أنواع القيود، من فقر واستغلال وظلم، ما انعكس على أدب تلك المرحلة، وولّد أشكالاً أدبية أكثر جرأة وشجاعة في تناول تلك التحولات ورصدها.
وقد تكون من أهم النتائج التي أُسّس من أجلها البحث منذ انتشاش بذوره الأولى، هي التنظير لنوع روائي لم يأخذ حقه في الدراسة والتناول، وعدم وجود دراسات مستقلة عنيت بالتنظير له، وهو «الرواية الريفية السورية»، وندرة الدراسات التي نظّرت لوجود رواية واقعية سورية تعنى بالريف تحليلاً وتوثيقاً، وترصد انعكاس ذلك في الفن الروائي السوري، وما قدمته الواقعية التي وجدت في الريف مادة خصبة لها، للرواية السورية من جرأة فنية في رصد تلك التحولات المهمة التي أصابت المجتمع الريفي آنذاك، وانعكاس ذلك على الفن الروائي السوري، حيث أظهرت لنا اللغة عند الأديب داود تنوعها وأصالتها، فقد جاء التجديد لديه في مختلف الأشكال اللغوية الموظفة، من فصحى ولهجة عامية، ولغة وسطى، وصولاً إلى اللغة الخاصة.
وإن أكثر ما ميّزه هو اللغة الوسطى الموظفة في الروايات، وهي استخدام اللهجة الريفية التي طُعمت حواراته الفصحى بها، تلك اللهجة المتداولة في الريف المدروس، المتجذرة من الفصحى في غالبية كلماتها، ليبرهن بذلك على الأصالة اللغوية فيها، وعدم ابتعادها عن الجذور الفصيحة الأم، وبالتالي عدم تشويهها الفصحى. من هنا دحضت هذه الدراسة مقولة الريف المتخلف، والدراسات الكثيرة التي تناولت المدينة بالدراسة، واكتسبت خصوصية من حيث إن المدن السورية أغلب تشكيلها السكاني من الريف. 

في «مهرجان الأقوال»

في سنة 1997، أصدر أحمد يوسف داود مجموعته الشعرية «مهرجان الأقوال». من هذه المجموعة نقتطف ما نختم به من «عطر من الشبهات»:

كلُّ الأرض ضيِّقةٌ
فأين تريح بعد الآن قلبك؟!
ما كنتَ في بابٍ، فتدخل..!
كلُّ وردٍ في الأبواب، كذابٌ
وها هي ذي جداولُ من سرابِ ندائِكَ المغدور
في خدعٍ من الأنثى..
وشبه مخالبَ..
الآن استفق:
هذا المغرِّدُ في سماء غنائكَ الورقيِّ ماتَ..
خديعةٌ، وبريقُ ظلٍّ أنثويٍّ كاذبٍ ؟!
وعدٌ، على الأوجاع، كذابٌ
وأطلقً من كمائنه كمائنَ
كنتَ تعرف كيف يُبصقُ خلف كل ذكورةٍ
عبرت على هذا السرير وذاك..!
(…)
كيف إذاً: أحبُّ..؟!
ومن أحبَّك؟!
عِطرٌ من الشبهات كذابٌ..

Leave a Comment
آخر الأخبار