الحرية ـ ميسون شباني:
اختُتمت في دار الأوبرا فعاليات تظاهرة «أفلام الثورة السورية» في دورتها الثانية، التي نظّمتها المؤسسة العامة للسينما برعاية وزارة الثقافة السورية، بعد برنامج سينمائي حافل قدّم مجموعة من الأعمال التي سعت إلى مقاربة الثورة السورية بوصفها حدثاً مفتوحاً على الذاكرة، لا مجرد واقعة منتهية.
التظاهرة، في دورتها الثانية، لم تكتفِ بعرض أفلام توثيقية وروائية، بل قدّمت مساحة للتأمل في علاقة السينما بالحدث السوري، بين ضرورة الشهادة ورغبة السرد، وبين التوثيق المباشر ومحاولات إعادة التخييل.
تنوع المقاربات… وحدة السؤال
أظهرت الأعمال المعروضة تنوعاً واضحاً في لغتها البصرية، إذ توزعت بين أفلام تعتمد التسلسل الزمني في توثيق الحدث، وأخرى تنحاز إلى التجربة الشخصية أو المعالجة الرمزية.
في «الطريق إلى دمشق»، تتجلى محاولة لبناء سرد تاريخي يمتد من درعا إلى العاصمة، مستنداً إلى أرشيف وشهادات، لكنه يقع أحيانًا في فخ الاختزال لصالح خط سردي مباشر.
وفي «ملائكة ثائرة»، تتجه الكاميرا إلى الهامش الإنساني الأكثر هشاشة، موثّقة استهداف الكوادر الطبية، في عمل يكتسب قوته من صدقيته، لكنه يظل قريبا من التوثيق المباشر أكثر من البناء السينمائي المركّب.
أما «ذاكرة باللون الخاكي»، فيختار مساراً مختلفاً، حيث تتحول الذاكرة إلى مادة حسّية، ويغدو الحدث خلفية لتجربة فردية مشبعة بالشاعرية، وإن كانت تميل أحياناً إلى التجريد.
بين العاطفة والمباشرة
تقدّم بعض الأعمال، مثل «21 آذار»، تجربة قائمة على الصدمة البصرية، حيث يُستخدم الألم كأداة سردية مباشرة، ما يمنحها تأثيراً قوياً لكنه يطرح تساؤلات حول حدود تمثيل العنف.
في المقابل، يحاول «أحمد مريم» تقديم مقاربة إنسانية من خلال قصة حب في سياق اللجوء، معتمداً على وسيط بصري معاصر، إلا أن بساطة المعالجة تقلل من تعقيد القضايا التي يطرحها.
بينما يذهب «سورية… قصة ثورة» إلى تفكيك الأسباب عبر أصوات الناس، دون أن ينجح دائماً في بناء إطار تحليلي متماسك.
أعمال توسّع الأفق… وتجارب تبحث عن شكلها
إلى جانب هذه الأفلام، برزت أعمال أخرى أسهمت في توسيع نطاق المقاربة.
في «خديجة»، يُقدَّم الفقد عبر أنيميشن صامت يعتمد على التكثيف البصري، ما يمنحه قوة رمزية، لكنه يقترب أحياناً من الغموض.
أما «أبطال الجودو»، فيرصد أثر الثورة في استمرارية الحياة اليومية، مبتعداً عن مشاهد العنف المباشر، لكنه يخفف بذلك من حدة الاشتباك مع السياق العام.
وفي «حلم عصفور»، تتجسد تجربة الاعتقال عبر الصمت والرمزية، في عمل ينجح شعورياً، لكنه يبقى محدود الوصول لجمهور واسع.
بينما يحاول «الشرارة الأولى» العودة إلى الجذور التاريخية، مقدماً قراءة ممتدة، تواجه بدورها تحدي الاختزال.
أما «حين ناداني اسمي»، فيتتبع تحولات الفرد من الاحتجاج إلى النزوح، معتمداً على حساسية إنسانية واضحة، لكنها لا تُترجم دائمًا إلى مغامرة بصرية موازية.
سينما بين الشهادة والتشكيل
تكشف التظاهرة، في مجملها، عن سينما ما تزال محكومة بثقل الحدث، حيث تفرض الضرورة التوثيقية حضورها على حساب الابتكار الفني في كثير من الأحيان. ومع ذلك، تبرز محاولات واضحة للانتقال من التسجيل إلى التأمل، ومن نقل الواقع إلى مساءلته.
ذاكرة تتشكل… وسرد لم يكتمل
مع إسدال الستار على الدورة الثانية، تبدو تظاهرة «أفلام الثورة السورية» أقرب إلى أرشيف حيّ قيد التشكّل، منه إلى مشروع سردي مكتمل.
فالأفلام، على اختلافها، لا تقدّم رواية واحدة، بل تفتح المجال لتعدد الروايات، وتترك السؤال معلقاً: كيف يمكن للسينما أن تواكب حدثاً لم ينتهِ بعد، دون أن تختزله أو تعيد إنتاجه؟

