الحرية- ميليا اسبر :
يمثل القطاع الزراعي أحد أعمدة الاقتصاد السوري، وهو عنصر محوري في تحقيق الأمن الغذائي الوطني، ومع التحديات الكبيرة التي فرضتها سنوات الأزمة، من تدمير البنى التحتية إلى تراجع الإنتاج وتغيرات المناخ، باتت الحاجة ملحة لوضع استراتيجيات واضحة لإعادة النهوض بالقطاع، ومن هنا تأتي استراتيجية الزراعة السورية 2026-2030، لتقدم رؤية شاملة ترتكز على تطوير الإنتاج، استدامة الموارد، وتعزيز دور القطاع الخاص، وكذلك تعافي القطاع الزراعي كركيزة للاقتصاد الوطني.
استراتيجية 2030
المهندس رائد حمزة مدير مركز السياسات الزراعية في وزارة الزراعة أشار في تصربح لـ” الحريّة” إلى أن الوزارة أطلقت في منتصف شهر شباط الماضي استراتيجية الزراعة السورية 2026-2030، والتي استندت إلى تحليل الواقع الراهن والتحديات التي يوجهها القطاع، وتسعى الاستراتيجية 2030 إلى تحقيق الأمن الغذائي والنهوض بالقطاع الزراعي من خلال عدة محاور رئيسية.
أهمها ضمان استدامة الموارد الطبيعية خاصة المياه، عبر التوسع في شبكات الري الحديث وحصاد الأمطار، وكذلك تعزيز دور القطاع الخاص في الإنتاج والتصنيع والتسويق، وجذب الاستثمارات، إضافة إلى اعتماد التكنولوجيا والزراعة الذكية، وتطوير أصناف مقاومة للجفاف والتغيرات المناخية، وتطبيق أنظمة الإنذار المبكر، وأيضاً تطوير الإنتاج النباتي والحيواني من خلال تحسين الخدمات البيطرية، والأعلاف والصناعات الدوائية البيطرية. لافتاً إلى أن الاستراتيجية تشمل كذلك إعادة تأهيل البنى التحتية المتضررة، ودعم الصادرات الزراعية، وتحسين التسويق والخدمات الإرشادية لتعزيز مرونة القطاع واستعادته كركيزة للاقتصاد الوطني.
خطة زمنية واضحة
وأكدّ حمزة وجود خطة زمنية واضحة ضمن الإطار التشغيلي لاستراتيجية الزراعة السورية، تمتد على مدى خمس سنوات (الجدول الزمني للاستراتيجية)، وقد رُسمت هذه الخطة بناءً على أهداف كمية لمستويات الإنتاج من المحاصيل الأساسية لاسيما تلك التي تساهم في تحقيق الأمن الغذائي، وأيضاً المحاصيل ومنتجات الثروة الحيوانية التي تلبي الاحتياج المحلي للتصنيع الزراعي، مع اعتماد سنة الأساس 2024 كمرجع لحجم الإنتاج ونسب الاكتفاء الذاتي ، مشيراً إلى أن هذه الأهداف تعتبر بمثابة مؤشرات أداء لقياس التقدم، وهي الأساس الذي انبثقت منه الخطة التنفيذية المتضمنة الأنشطة الرئيسية، والبرامج، والمشاريع اللازمة لتحقيق الاكتفاء الذاتي خلال مدة الاستراتيجية.
تراجع المحاصيل الاستراتيجية
ولدى سؤالنا عن تراجع إنتاج بعض المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح؟ وما هي خطط زيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية؟
أجاب حمزة بأن التراجع يعود بشكل رئيسي إلى نتائج الحرب وما تسبب به من تدمير واسع للبنى التحتية الزراعية كشبكات الري والصوامع والمخازن، إضافة إلى التغيرات المناخية المتمثلة في الجفاف وعدم انتظام الهطولات المطرية، مضيفاً أنه لمواجهة هذه التحديات وتحسين الإنتاجية، تتضمن خطط الاستراتيجية الزراعية السورية 2026-2030 مجموعة من الإجراءات المتكاملة، أبرزها تأهيل البنى التحتية المتضررة، والتوسع في استخدام التقانات الحديثة والبذور المحسنة المقاومة للجفاف، إلى جانب تطبيق نظم الإنذار المبكر والتأمين الزراعي، وتقديم حوافز للمزارعين تشمل الدعم والإرشاد الزراعي بهدف تحفيز زراعة القمح ورفع الغلة.
تحديات تواجه القطاع الزراعي
وتحدث مدير السياسات الزراعية عن تحديات تواجه القطاع الزراعي وهي تحديات مركبة ومتداخلة تحول دون استعادة دوره الحيوي في تحقيق الأمن الغذائي، منها الدمار الممنهج للبنى التحتية الذي طال شبكات الري الرئيسية والثانوية، إلى جانب تخريب آلاف الآبار الزراعية، ما أفقده أكثر من نصف مصادر الري التقليدية، وفي مشهد أكثر خطورة، لا يزال انتشار الألغام ومخلفات الحرب التي خلفها النظام البائد يهدد حياة المزارعين ويحرم استصلاح ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة، لا سيما في المناطق الحدودية والواحات السورية، موضحاً كذلك أن الهيكل الحيازي يعاني من تفتت حاد، حيث لا تتجاوز مساحة معظم الحيازات الزراعية بضع دونمات، ما يعوق تطبيق المكننة الحديثة ورفع الكفاءة الإنتاجية. وتفاقم الأزمة تضرر الأصول المنتجة لدى المزارعين من جرارات ومضخات وصوامع تخزين، إضافة إلى تخريب مراكز الخدمات البيطرية والمراكز البحثية التي كانت تشكل العمود الفقري للإرشاد والتشخيص المخبري.
بسبب الأزمات الدولية
وعلى الصعيد التشغيلي كشف حمزة أن القطاع يعاني من نقص حاد في التمويل والائتمان الزراعي، بينما ترتفع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق جراء الأزمات الدولية المتلاحقة، وفي مقدمتها تراجع خطوط الإمداد العالمية بسبب إغلاق مضيق هرمز، ما رفع أسعار الأسمدة والمستلزمات الحيوانية والوقود.
وتأتي التغيرات المناخية متمثلة في الجفاف وتذبذب الأمطار، شكلت عدم استقرار الإنتاج لاسيما الزراعات المطرية التي تشكل الحصة الأكبر في المساحات المزروعة.
تصحيح مسار العمل
أما فيما يخص الإصلاحات التي تعتزم وزارة الزراعة تنفيذها أوضح حمزة أن الوزارة تعمل على تصحيح مسار العمل انطلاقاً من تمكين البيئة التشغيلية للقطاع بما في ذلك تأهيل البنى التحتية، والتشريعية والسياساتية والتي تتوافق مع الظروف الموضوعية والتوجهات السياسات الاقتصادية والمالية التي تنتهجها الحكومة السورية وعلى رأسها السياسات المتعلقة بالدعم ليكون مستنداً إلى دعم منتج وذكياً يهدف إلى زيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية، مشدداً على ضرورة تبني سياسات تزيد من تفعيل دور القطاع الخاص في العملية الإنتاجية وتحسين أداء سلاسل القيمة، وزيادة الاستثمار في القطاع الزراعي، كما تقوم حاليا وزارة الزراعة بتحديث واعتماد طرق إحصائية حديثة تساهم في توفير بيانات دقيقة تساهم في عملية التخطيط السليم.
تعاون مع جهات دولية
فيما يتعلق بالتعاون مع الجهات الدولية أشار إلى وجود خطوات جادة نحو دعم الزراعة حيث تركز على تفعيل مذكرات تفاهم واتفاقيات ثنائية التي وقعت أو بصدد توقيعها مع عدة دول لتسهيل التعاون المشترك خاصة مع دول الجوار وتيسير التجارة والتبادل التجاري، وأيضاً تبادل الخبرات والاستفادة من الميزات النسبية لدى كل دولة، كما هناك برامج ومشاريع تعاون مع المنظمات الدولية لإعادة تأهيل القطاع الزراعي ورفع كفاءة الكوادر البشرية، وفي هذا السياق وضعت الوزارة خارطة طريق تضمنت أولويات القطاع ، لتقديم الدعم من شركاء ومنظمات التنمية، بهدف تعافي القطاع الزراعي خلال المرحلة القادمة وبما يتماشى تماماً مع ركائز الاستراتيجية وبرامجها وأولويات تنفيذها.
مستقبل الأمن الغذائي
أما عن مستقبل الأمن الغذائي في سوريا بين حمزة أن مؤشرات الأمن الغذائي في سوريا شهدت تراجعاً حاداً خلال فترة الحرب بسبب تدمير البنى التحتية الزراعية، وانهيار سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إضافة إلى نزوح المزارعين وفقدان مصادر الدخل، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد في ظل تدهور القوة الشرائية. ومع ذلك يرى أن مستقبل الأمن الغذائي رغم التحديات يمكن أن يشهد تحسناً تدريجياً، فوزارة الزراعة تعمل حالياً ضمن خطة متكاملة على تأمين السلع الأساسية كالقمح والبقوليات والزيوت، وتسعى بالتعاون مع الجهات المعنية إلى إعادة تأهيل البنى التحتية وتحسين الإنتاج، وهي خطوات كفيلة بالإسهام في تحقيق الأمن الغذائي تدريجياً، مؤكداً أن الأمن الغذائي متعدد الأبعاد، يتحقق عبر جهود متضافرة بين عدة جهات من حكومية وأهلية ودولية، ويظل الركيزة الأساسية له هو تحسين دخل المستهلك وزيادة قوته الشرائية، إلى جانب ضمان وصوله المستدام والعادل إلى غذاء مغذٍ وآمن، وهذه هي المعادلة الصعبة التي يُعمل على حلها في المرحلة المقبلة.