الحرية – إلهام عثمان:
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والضغوط المعيشية المتزايدة التي تمر بها البلاد، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة المواطن على حماية مدخراته وتنظيم دخله في مواجهة فقدان القيمة الشرائية للعملة.
هذا الواقع دفع الأسر إلى البحث عن أدوات مالية بديلة، في وقت أصبحت فيه التحديات الاقتصادية تفرض نفسها كواقع يومي لا يمكن تجاهله.
من هنا تبرز الحاجة إلى ما يعرف بـ«الاستشارة المالية الفردية»، لكن المفارقة أن هذه الخدمة، التي تُعد في العالم أداة مهنية منظمة، تكاد تكون معدومة تماماً في المشهد السوري، ما يخلق فراغاً خطيراً يستغله الدجالون والمضللون.
لماذا هي غائبة؟
وعن السؤال حول الاستشارة المالية ولماذا هي غائبة في سوريا، بيّنت الخبيرة في التخطيط المالي منى شامية أن الاستشارة المالية الفردية، بمفهومها المؤسسي المنظم، غير شائعة عملياً في سوريا بالنسبة للأفراد، وهي ليست مجرد نصيحة عابرة، بل عملية هندسية معقدة تُدار بوساطة خبراء معتمدين يخضعون لرقابة هيئات رسمية كـ«هيئة السوق المالية» في الدول المستقرة.
ولتوضح بمثال عملي: حين يكون لدى الفرد راتب شهري ويريد معرفة: كيف يوزعه بين الالتزامات الأساسية والادخار والاستثمار، وكيف يحمي مدخراته الصغيرة من التضخم الذي يلتهم قيمتها شهراً بعد شهر، وكيف ينظم ديونه، سواء كانت قروضاً شخصية أو التزامات عائلية، من دون أن تنهار تحت ثقل الأقساط؟
مشيرة إلى أنه في أي دولة منظمة، توجد مكاتب استشارية تقدم حلولاً مدروسة لكل هذه الأسئلة بناءً على تحليل دقيق لوضعك المالي وأهدافك. لكن في سوريا، المواطن العادي يترك وحيداً ليواجه هذه الأسئلة بنفسه، من دون أي جهة مهنية يرجع إليها.
حكراً على عقود وشركات
هذه المهنة التي تقوم على ركائز عالمية، حسب رأي شامية، تبقى في سوريا حكراً على عقود تُوقّع بين الشركات والمؤسسات الكبرى، بينما يُترك المواطن العادي بلا أي جهة مهنية يرجع إليها، لافتة إلى أنه في المجتمعات المستقرة، تُستخدم هذه الركائز لتحقيق الرفاهية والنمو، لكن في سوريا، لا يجد المواطن من يقدم له هذه الخدمة أصلاً، فيلجأ إلى الجيران أو معارفه الذين لا يملكون أي مؤهل، أو يترك أمواله تذوب بفعل التضخم الذي تجاوز 100% في فترات متعددة، حسب آخر بيانات مصرف سوريا المركزي.
أزمة الثقة
وتشير شامية إلى أن تجارب تجميد الودائع وقيود السحب التي استمرت حتى أيار 2025، زرعت في وجدان السوري شعوراً راسخاً بأن البنوك ليست مكاناً آمناً، وهذا ما يفسر إقباله المتزايد على البدائل غير الرسمية، أو الاحتفاظ بمدخراته، أو الانصياع لنصائح مستشارين وهميين.
وأن الثقة المفقودة ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل أزمة مجتمعية عميقة، حين يفقد المواطن ثقته بمصرفه المركزي، يفقد شعوره بالأمان الأساسي، وهذا يخلق قلقاً مزمناً ينعكس سلباً على استقرار العلاقات الأسرية والصحة النفسية.
خطر الدجالين في غياب الرقابة
في ظل هذا الغياب المهني، تحذر شامية من ظاهرة المستشارين الماليين الوهميين الذين انتشروا بكثافة، وتعتبرهم انعكاساً مباشراً للفجوة التنظيمية والاجتماعية، مضيفة: أنه مع غياب هيئات تمنح التراخيص وتحاسب المخالفين، يصبح أي شخص قادراً على ادعاء الخبرة، والمواطن اليائس يصبح فريسة سهلة، يصدق أي حل واعد، مهما كان وهمياً.
وتشير في هذا السياق إلى أن تقريراً صادراً عن البنك الدولي (2024) وثق ارتفاع حالات الاحتيال المالي، كما إن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية أصدرت عدة تحذيرات رسمية من شركات وهمية تقدم خدمات استثمارية غير مرخصة، محذّرة من انعكاساتها على المجتمع؛ أسر بأكملها تنهار، وعلاقات زوجية تتصدع، وصحة نفسية تتهالك، بسبب غياب الوعي والرقابة معاً.
غياب البدائل يغذي الفوضى
وهنا ترى شامية أن غياب البدائل المصرفية والأدوات الاستثمارية الآمنة هو الوقود الحقيقي لهذه الفوضى، وتوضح: «المواطن اليوم، حين يشعر بذوبان مدخراته، لا يجد أمامه في المشهد الرسمي أي حل، فلا صناديق استثمار موثوقة، ولا تأمين صحي كافٍ، ولا قروض ميسرة. لذلك يضطر للخيارات الخطيرة، إما الثقة بجاره أو بالدجال، وفي كلتا الحالتين هو الخاسر الأكبر، لأن النظام الرسمي تخلى عن دوره في حمايته وتوعيته».
الحلول بين التنظيم والتوعية
وتشدّد على أن المسؤولية يجب أن تكون مشتركة بين الدولة والمجتمع؛ فالإعلام والمدارس والجامعات والأسر، جميعها معنية ببناء وعي مالي يحمي الأفراد من الأوهام، ويؤسس لاقتصاد أكثر استقراراً، وأن الحل الحقيقي يبدأ باعتراف رسمي بهذه الفجوة، ثم العمل الجاد على تشريع القوانين الحامية، وإطلاق التوعية الجماهيرية، كي يستعيد المواطن ثقته بقدرته على إدارة مدخراته بشكل صحيح وواعٍ .تختتم شامية حديثها بمقترحات عملية للخروج من هذا المأزق، مؤكدة أن الحل لا يقتصر على تشريع قوانين تنظم المهنة فقط، بل يتطلب حملات توعوية شاملة لبناء ثقافة مالية حقيقية، إلى جانب إعادة بناء الثقة بالمصارف عبر سياسات شفافة، وفتح قنوات حوار حقيقية بين المواطن والمصرف المركزي.