الحرية – محمد زكريا:
حين نتحدث عن “نقل الذهب”، فنحن لا نتحدث عن سبائك معدنية تُخزن في الخزائن، بل نتحدث عن “العبقرية الهولندية” التي جعلت من بلد صغير المساحة، ثاني أكبر مصدر للغذاء في العالم بصادرات مذهلة بلغت 135 مليار دولار للعام الماضي، ولكن ما الذي ينقص سوريا لتصبح “إمبراطورية الغذاء” القادمة، لاسيما في ظل استثمار مساحتنا الزراعية الهائلة التي تبلغ 60,000 كيلومتر مربع، وهي تعادل ثلاثة أضعاف مساحة هولندا الزراعية (18 ألف كم²).

الضربة القاضية
حسب الباحث الاقتصادي محمد خالد حسون فإن أعظم ميزة لنقل تكنولوجيا “البيوت المحمية الذكية” هي الاستغناء عن محطات تحلية مياه البحر المليارية التي ترهق ميزانية الدول، والسبب علمي وهو بسيط، حيث لا تحتاج سوريا لإنفاق مليارات الدولارات على التحلية من أجل الزراعة، وذلك لأن المياه القليلة المتاحة حالياً تكفي وتزيد لزراعة كل احتياجاتنا، كون هذه التقنية تستهلك 5% فقط من الري التقليدي المفتوح، ومنه فإن حماية مياه الشرب تنطلق من توفير 95% من المياه المهدورة تحت الشمس (والتي تتبخر دون جدوى)، و بالتالي سيُوجه الفائض المائي الضخم للاستهلاك البشري، ومع زيادة أعداد هذه البيوت سنوياً، ستتحول سوريا إلى واحة مائية فائضة تكتفي ذاتياً دون الحاجة لقطرة ماء محلاة.
لغة الأرقام الصادمة
وأوضح حسون لـ”الحرية” أنه لو أخذنا (مزرعة البندورة نموذجاً)، ولنتأمل هذه النتيجة التي قد تبدو محيرة لمن اعتاد الطرق التقليدية، لكنها حقيقة تكنولوجية هولندية، فالمدرسة الذكية الواحدة التي نقترحها، وبمساحة ٦٢،٥٠٠ألف م٢ (250م طول × 250م عرض)، تنتج بفضل التقنية الهولندية (85 كيلو للمتر المربع)، بقدر يساوي سنوياً (5,312.5 طناً)، من البندورة، وبالتالي هذا الإنتاج الإعجازي من مساحة صغيرة نسبياً (نحو 62.5 دونماً)، كان يحتاج في الزراعة السورية التقليدية إلى أكثر من ألف دونم لإنتاج ذات الكمية، وهذا الطرح ليس لنقل زراعة، بل لنقل “مضاعف ثروة” يزيد إنتاج الأرض 17 مرة.
صفر هدر
واقترح حسون إقامة 140 مزرعة ذكية متكاملة، موزعة بواقع 10 مزارع لكل محافظة من محافظاتنا الـ 14، تتنوع هذه المزارع لتشمل (البندورة، الخيار، الملفوف، الزهرة، الفاصولياء، البامية، الخس، السلق، النعناع، والبصل الأخضر)، كل مزرعة ستكون بمثابة “منشأة صناعية زراعية” تحتوي على،ثلاجات تخزين ضخمة، ومصانع تعبئة وتغليف داخل الموقع، وبالتالي هذا التكامل يضمن “صفر هدر” في المحصول، ويوفر تكاليف النقل، ويجعل المنتج السوري منافساً شرساً في أرقى السوبر ماركت العالمية.
الذهب الصحي
ولفت حسون إلى ان البيوت المحمية الذكية هي بيئة مغلقة ومراقبة علمياً، مما يعني عدم الحاجة للمبيدات الحشرية (المسبب الأول لأمراض السرطان)، ومنه نحن لا نحمي الاقتصاد فحسب، بل نحمي صحة الإنسان السوري ونوفر مليارات الليرات من ميزانية وزارة الصحة التي تُنفق على علاج الأمراض الناتجة عن الكيماويات الزراعية.
التملك والذكاء الصيني
ونوه حسون أنه لضمان النجاح والاستدامة، نعتمد “النموذج الصيني الفعال”: تنشئ الدولة هذه الـ 140 مزرعة وتديرها لعام كامل حتى يستقر الإنتاج، وتُطرح 50% من أسهم المزارع للاكتتاب العام للشعب وللمغتربين بدولار واحد للسهم، و تبقى الدولة شريكة بـ 50% لتكون “الحارس السيادي” والمحرك الذي يحل أزمات المزارع ويفتح أبواب التصدير، لأنها “شريكة بصدق” في الربح والنجاح.
يشار إلى أن هولندا بـ 18 ألف كم² زراعي تُطعم العالم وتجني 135 مليار دولار، وسوريا بـ 60 ألف كم² قادرة على أن تكون “إمبراطورية الغذاء” في الشرق الأوسط بمجرد امتلاكها للتكنولوجيا، فنقل الذهب من أمستردام إلى دمشق هو قرار سيادي لتحويل مياهنا وترابنا إلى عملة صعبة دائمة.