الحرية ـ مركزان الخليل:
المتابع للحالة الاقتصادية العامة في سوريا خلال السنوات الأخيرة يجدها تواجه مجموعة من تحديات العمل التنموي والإنتاجي والخدمي، وهذا بدوره يحتاج لمعالجة جذرية، وضمن إطار هذه المعالجة يبرز دور التحول الرقمي وأهميته كأحد الخيارات الاستراتيجية لإعادة تنشيط القطاع الصناعي، ورفع كفاءة الإنتاج، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج الوطني، وذلك في ضوء تبني التقنيات الرقمية التي لم تعد خياراً مستقبلياً، بل ضرورة تفرضها متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
الأساس لنجاح التحول
وانطلاقاً من ذلك، يرى الخبير التنموي أكرم عفيف أن نجاح التحول الرقمي في الصناعة السورية يبدأ من توفير بنية تحتية رقمية قادرة على استيعاب التقنيات الحديثة، موضحاً أن العديد من المنشآت الصناعية ما تزال تعتمد على أنظمة تقليدية تحد من فرص تطوير الإنتاج وتحسين الكفاءة والاستثمار الأمثل للموارد، وخاصة الموارد البشرية.
ويؤكد عفيف، في تصريح خاص لـ«الحرية»، أن تحسين خدمات الإنترنت وتوسيع نطاق الشبكات، إلى جانب إنشاء مراكز بيانات محلية قادرة على تخزين وتحليل المعلومات، يمثلان خطوة أساسية لتطبيق تقنيات مثل إنترنت الأشياء وتحليل البيانات الضخمة، بما ينعكس إيجاباً على إدارة العمليات الصناعية واتخاذ القرار المناسب الذي يخدم العملية الإنتاجية والتنموية بكافة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية وحتى المجالات الخدمية.
الاستثمار في الكفاءات البشرية
والجانب المهم في رأي الخبير التنموي أن نجاح أي مشروع للتحول الرقمي يرتبط بامتلاك كوادر مؤهلة تمتلك المهارات الرقمية اللازمة، لافتاً إلى أهمية إطلاق برامج تدريبية متخصصة تستهدف المهندسين والفنيين والعاملين في القطاع الصناعي، سواء القائمون بالفعل، أم من خلال استقطاب الوافد منها إلى سوق الإنتاج واستثمار هذه الكفاءات لزيادة الإنتاج والإنتاجية وضمان استمرار ديمومتها.
إلى جانب أن هذه البرامج ينبغي أن تركز على البرمجة، وأنظمة الأتمتة، واستخدام البرمجيات الخاصة بإدارة الإنتاج والتصميم الصناعي، بما يسهم في رفع كفاءة العاملين ومواكبة التطورات التقنية العالمية، وتسخيرها بصورة فاعلة لخدمة الحالة الاقتصادية العامة وتحقيق العائدية التي يستفيد منها الجميع.
خيار واقعي
وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية، يرى عفيف أن التحول الرقمي يجب أن يتم بصورة تدريجية، من خلال البدء بحلول منخفضة التكلفة وسهلة التطبيق، مثل أتمتة العمليات الإدارية وإدارة المخزون وجدولة الإنتاج، إضافة إلى الاعتماد على الخدمات السحابية في الإدارة واللوجستيات، لما توفره من مرونة وتكاليف تشغيلية أقل.
ولتحقيق ذلك يؤكد عفيف أنه لا بد من إجراء مهم يكمن في ضرورة تعزيز التعاون مع الدول الصديقة والشركات المتخصصة في التكنولوجيا الصناعية، بما يسهم في نقل الخبرات والتقنيات الحديثة، إلى جانب الاستفادة من برامج الدعم الفني والتدريب التي تقدمها المنظمات الإقليمية والدولية، بما يساعد على تسريع وتيرة التحول الرقمي في القطاع الصناعي، وترجمة هذه الإيجابية على أرض الواقع وتحقيق نتائج أفضل.
محفزات استثمارية
وهنا يقول عفيف إنه من الضروري توفير حوافز ضريبية وتمويلية للمؤسسات الصناعية التي تتبنى الحلول الرقمية، كونه يشكل عاملاً مهماً في تشجيع الاستثمار بالتكنولوجيا، وتحفيز الشركات على تحديث خطوط إنتاجها، الأمر الذي يسهم في تحسين جودة المنتجات وخفض تكاليف التشغيل وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات، ليس في السوق السورية فحسب، بل تنافسية المنتجات المصدرة إلى الأسواق الخارجية أيضاً.
دعم التعافي الاقتصادي
الصناعي محمد المنان يرى أن التحول الرقمي يمكن أن يشكل أحد المحركات الرئيسة لتعافي الصناعة السورية خلال المرحلة المقبلة، من خلال رفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الهدر، وتحسين إدارة الموارد، وفتح آفاق جديدة أمام المنتجات الوطنية في الأسواق المحلية والعالمية، محققة بذلك انتشاراً واسعاً ومهماً فيها.
ويؤكد المنان أن نجاح هذا المسار يتطلب تكامل الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية، بما يضمن بناء منظومة صناعية أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التطورات التقنية العالمية، وخاصة في مجال العمل الإنتاجي والتسويقي لتحقيق الفائدة المطلوبة.
فرصة حقيقية
وفي نهاية الحديث، يمكننا القول إن التحول الرقمي يشكل فرصة حقيقية لتعزيز تنافسية الصناعة السورية، وتحسين كفاءة الإنتاج الوطني، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين تطوير البنية التحتية، وتأهيل الكوادر البشرية، وتوفير الحوافز، وتعزيز الشراكات مع مختلف الجهات المعنية، بما يسهم في دعم جهود التعافي الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة التي يسعى الجميع لتحقيقها وترجمة مفاعيلها على أرض الواقع بصورة تخدم الحالة الاقتصادية الكلية.