الحرية – وداد محفوض:
يعد القرار الذي أصدره مصرف سوريا المركزي مؤخراً، والقاضي بالسماح للمؤسسات المالية والمصرفية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شبكات الدفع العالمية «Visa» و«Mastercard»، خطوة مهمة ضمن مسار تحديث البنية التحتية المالية في سوريا، وبناء نظام مصرفي أكثر تطوراً وشمولاً يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة في العالم.
ويهدف القرار إلى تقليل الاعتماد على النقد الورقي، وتعزيز الشفافية في المعاملات المالية، إلى جانب تسهيل عمليات الدفع والتبادل التجاري، بما ينعكس إيجاباً على النشاط الاقتصادي وحركة الأسواق، ويفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التحول نحو الاقتصاد الرقمي.
استطلاع آراء المواطنين
وفي استطلاع أجرته «الحرية» في طرطوس حول القرار الجديد وأهميته، بين التاجر سالم موفق (35 عاماً) أن هذه الخطوة باتت ضرورة ملحّة في ظل التطور العالمي المتسارع، مشيراً إلى أن الدفع الإلكتروني يوفر الوقت والجهد، ويساعد التجار على إنجاز التزاماتهم المالية بسهولة وسرعة أكبر.
وأضاف إن تطوير البنية التحتية الرقمية وتحسين خدمات الإنترنت سيمنح المواطنين شعوراً بأنهم يعيشون ضمن بيئة مالية متقدمة تضاهي ما هو موجود في الدول المتطورة.
في المقابل، أبدت المواطنة لمياء علام (67 عاماً) تحفظها تجاه فكرة الدفع الإلكتروني، موضحة أنها لا تزال تفضّل التعامل النقدي التقليدي لأنه يمنحها شعوراً أكبر بالأمان، خاصة في ظل وجود تحديات تقنية وخدمية، أبرزها ضعف الإنترنت والانقطاعات المتكررة التي قد تعيق إنجاز العمليات المالية بسلاسة.
خبير اقتصادي: تحول هيكلي في الاقتصاد السوري
وفي تصريح لـ«الحرية»، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد صلاح أبو عيسى أن السماح باستخدام شبكات الدفع العالمية مثل «Visa» و«Mastercard» لا يمكن النظر إليه كخطوة تقنية محدودة فحسب، بل باعتباره تحولاً هيكلياً واستراتيجياً في مسار تحديث البنية المالية والاقتصادية السورية، ويعكس توجهاً نحو بناء اقتصاد أكثر كفاءة وشفافية واندماجاً في النظام المالي العالمي.
وأوضح الدكتور أبو عيسى أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي أصبح اليوم معياراً رئيسياً لقياس جاهزية الدول وقدرتها على مواكبة المتغيرات العالمية المتسارعة، مبيناً أن الأنظمة المالية الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم السيولة أو قوة القطاع المصرفي، وإنما أيضاً بمدى تطور أدوات الدفع، وسهولة الوصول إلى الخدمات المالية، ومستوى الشمول المالي الذي تحققه الدولة.
تعزيز الشمول المالي وتقليل الاقتصاد النقدي
وأشار أبو عيسى إلى أن إدخال شبكات الدفع العالمية إلى السوق المحلية يحمل أبعاداً اقتصادية إيجابية متعددة، أبرزها تعزيز الشمول المالي من خلال توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المصرفية الحديثة، ودمج شرائح واسعة من المجتمع ضمن النظام المالي الرسمي، ولاسيما الشباب ورواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة، الأمر الذي يرفع من مستويات التعامل الرسمي ويقلل تدريجياً من الاعتماد على النقد الورقي.
وأضاف إن تقليص الاقتصاد النقدي يسهم بدوره في الحد من الاقتصاد غير المنظم، ويعزز قدرة الجهات الرقابية على تتبع العمليات المالية ومكافحة التهرب الضريبي والتدفقات المالية غير الرسمية، فضلاً عن تحسين الشفافية المالية ورفع كفاءة الرقابة المصرفية وتقليل تكاليف تداول النقد وإدارته، وهي جميعها عناصر أساسية لتحقيق الاستقرار المالي والتنمية الاقتصادية المستدامة.
انفتاح اقتصادي وفرص أوسع للاستثمار
ولفت الدكتور أبو عيسى إلى أن استخدام شبكات الدفع الدولية لا يمثل تحديثاً داخلياً فحسب، بل يعد أيضاً مؤشراً مهماً على انفتاح السوق السورية على المنظومة المالية العالمية، الأمر الذي يسهم في تسهيل التجارة الإلكترونية الدولية، واستقبال الحوالات والمدفوعات من الخارج، ودعم قطاعات السياحة والخدمات، إضافة إلى تمكين الشركات المحلية من العمل ضمن الأسواق العالمية.
وأكد أن أي اقتصاد يسعى إلى تعزيز تنافسيته وجذب الاستثمارات لا يمكنه البقاء بعيداً عن أنظمة الدفع الدولية في عصر الاقتصاد الرقمي.
دعم التكنولوجيا المالية وبناء الثقة
كما أوضح الخبير الاقتصادي أن وجود بنية دفع إلكترونية حديثة سيشجع على نمو قطاع التكنولوجيا المالية (FinTech)، بما يشمله من محافظ رقمية وخدمات دفع ذكية وحلول مصرفية مبتكرة، وهو قطاع يشهد نمواً متسارعاً على مستوى العالم لما يوفره من فرص اقتصادية ووظيفية كبيرة، إلى جانب دوره في تحسين تجربة المستخدم وتطوير الخدمات المالية.
ورغم الأهمية الكبيرة لهذه الخطوة، شدد أبو عيسى على أن نجاحها الحقيقي يتطلب استكمال مجموعة من المتطلبات الأساسية، وفي مقدمتها تطوير البنية التحتية الرقمية والاتصالات، وتعزيز الأمن السيبراني، وحماية بيانات المستخدمين، ورفع مستوى الثقافة المالية والرقمية لدى المواطنين، إضافة إلى بناء الثقة بالنظام المصرفي، وضمان انخفاض تكاليف استخدام الخدمات الإلكترونية لتشجيع انتشارها على نطاق واسع.
التحول الرقمي.. ضرورة لا خيار
واختتم حديثه بالتأكيد على أن التحول نحو المدفوعات الرقمية لم يعد خياراً تقنياً أو ترفاً اقتصادياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة العالم الحديث، مشيراً إلى أن الدول التي تبادر اليوم إلى تحديث أنظمتها المالية ستكون الأكثر قدرة على المنافسة مستقبلاً، وأن نجاح هذه الخطوة لن يُقاس بعدد البطاقات المصدّرة فقط، بل بمدى قدرتها على تغيير سلوك الأفراد، وتحسين كفاءة الأسواق، وتعزيز ثقة المستثمرين، وبناء اقتصاد أكثر شفافية ومرونة واستدامة.