الحرية – ميسون شباني
مع اقتراب إسدال الستار على مراحل تصويره الأخيرة، يواصل مسلسل «السوريون الأعداء» ترسيخ مكانته بوصفه أحد أكثر الأعمال السورية المنتظرة، مستنداً إلى رواية فواز حداد الشهيرة التي حملت الاسم نفسه، وإلى رؤية إخراجية لليث حجو تسعى إلى تحويل واحدة من أكثر الحكايات السورية تعقيداً إلى دراما إنسانية واسعة تمتد عبر أربعة عقود من التحولات السياسية والاجتماعية.
العمل المؤلف من 30 حلقة، لا يروي التاريخ بوصفه سلسلة من الوقائع والأحداث فحسب، بل يتتبعه من خلال مصائر أشخاص وجدوا أنفسهم في قلب التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل المجتمع السوري.
فمن سبعينيات القرن الماضي، مروراً بأحداث الثمانينيات، وصولاً إلى السنوات التي سبقت عام 2011، يرسم المسلسل خريطة متشابكة من العلاقات والصراعات التي تتقاطع فيها السلطة بالعائلة، والخوف بالذاكرة، والعدالة بالمصير.
من الرواية إلى الشاشة
تستمد الحكاية جذورها من رواية فواز حداد التي قدمت قراءة عميقة للانقسامات التي أصابت المجتمع السوري خلال العقود الماضية، متتبعة الكيفية التي يتحول فيها أبناء البلد الواحد إلى خصوم بفعل الخوف والقمع وتراكم الجراح.
ومن هذا العالم الروائي الغني، ينطلق المسلسل ليعيد طرح الأسئلة ذاتها عبر شخصيات تحمل أثقال الماضي وتعيش تداعياته حتى اللحظة الأخيرة.
فالرواية لا تتناول الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فحسب، بل تنظر إليها كنتيجة لمسار طويل من إنتاج الخوف والانقسام داخل المجتمع، وهو ما يمنح النسخة التلفزيونية بعداً إنسانياً يتجاوز حدود التوثيق التاريخي نحو مساءلة الذاكرة الجماعية السورية.
حماة.. المدينة التي تبدأ منها الحكاية
تنطلق الأحداث من مدينة حماة، التي تشكل نقطة ارتكاز أساسية في مسار العمل، حيث تقع جريمة مروعة تهز إحدى العائلات وتغير مصائر شخصياته الرئيسية إلى الأبد.
ومن هذه اللحظة المفصلية تبدأ رحلة طويلة من الأسرار والحقائق المؤجلة، لتتحول المأساة الفردية إلى مدخل لفهم تحولات مجتمع كامل عاش عقوداً من الخوف والانقسام.
الناجي الأخير من ذاكرة الألم
في قلب الأحداث يقف عدنان الراجي، الطبيب الذي يجسده الفنان سلوم حداد، بوصفه أحد أهم محاور العمل وأكثرها تأثيراً.
يبدأ عدنان حياته طبيباً ناجحاً يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة في مدينة حماة، قبل أن تعصف به سلسلة من المآسي والخسارات التي تقلب حياته رأساً على عقب.
وبين الفقد والعزلة والبحث عن الحقيقة، يتحول إلى شخصية تحمل جراح مرحلة كاملة، وتختزن في ذاكرتها أسئلة لم تجد إجاباتها رغم مرور السنوات.
وتبدو رحلة عدنان أشبه برحلة إنسان يبحث عن خلاصه الشخصي في مواجهة ماضٍ يرفض أن يغادره.
العدالة في مواجهة السلطة
على الضفة الأخرى من الحكاية، يطل سليم الذي يؤدي شخصيته الفنان فادي صبيح، محامياً طموحاً يجد نفسه مع مرور الزمن داخل المؤسسة القضائية، حيث يواجه اختبارات أخلاقية ومهنية متلاحقة.
ومن خلال هذه الشخصية يقترب المسلسل من مفهوم العدالة في زمن التحولات الكبرى، ومن الصراع الدائم بين ما يفرضه القانون وما تفرضه موازين القوة والنفوذ.
لتصبح شخصية سليم نافذة على الأسئلة الشائكة المتعلقة باستقلال القضاء وحدود العدالة في المراحل المضطربة.
حين تصنع السلطة رجالها
أما الشخصية الثالثة والأكثر التصاقاً بمراكز القرار، فهي سليمان التي يقدمها بسام كوسا.
تبدأ رحلته من طموحات شاب يسعى إلى الصعود داخل مؤسسات الدولة، قبل أن يجد نفسه جزءاً من منظومة السلطة الأمنية التي ستترك بصمتها العميقة على مسار الأحداث.
ومع تطور الزمن الدرامي، تتحول شخصية سليمان إلى مرآة تعكس آليات النفوذ والخوف، وكيف يمكن للسلطة أن تعيد تشكيل الأفراد وعلاقاتهم وخياراتهم.
ومن خلاله، يرصد العمل العلاقة المعقدة بين القوة والولاء والمصير الشخصي.
ثلاثة رجال وثلاث رؤى لسوريا المتغيرة
يتحرك عدنان وسليم وسليمان في مسارات تبدو متباعدة في البداية، لكنها سرعان ما تتقاطع عند مفاصل تاريخية وإنسانية حاسمة.
فالأول يمثل الإنسان الذي يدفع ثمن الأحداث، والثاني يجسد البحث عن العدالة داخل منظومة معقدة، بينما يعكس الثالث وجه السلطة وأدواتها.
ومن خلال هذا المثلث الدرامي، يبني المسلسل عالمه السردي الواسع، مقدماً صورة متعددة الزوايا عن المجتمع السوري خلال العقود الماضية.
نجوم الدراما السورية في مواجهة مرحلة مفصلية
ولا تقتصر أهمية «السوريون الأعداء» على شخصياته الرئيسية، إذ يضم العمل نخبة من نجوم الدراما السورية، بينهم: يارا صبري، فايز قزق، نجاح سفكوني، روزينا لاذقاني، هيما إسماعيل، أندريه سكاف، عبد الهادي الصباغ، حنان شقير، وسام رضا، فراس الفقير، وورد عجيب، في لوحة تمثيلية واسعة تعكس تنوع البيئات الاجتماعية والسياسية التي يتناولها المسلسل.
الذاكرة والخوف والسلطة.. الثالوث الذي يحكم الحكاية
باعتماده على سرد يتنقل بين الأزمنة المختلفة ويكشف أسراره تدريجياً، يراهن العمل على الجمع بين التشويق والبعد الإنساني، مبتعداً عن الأحكام المباشرة لصالح تقديم شخصيات متعددة الطبقات، تتصارع مع ذواتها بقدر ما تتصارع مع الظروف المحيطة بها.
دراما تسائل التاريخ ولا تكتفي بروايته
هكذا يبدو «السوريون الأعداء» أكثر من مجرد مسلسل تاريخي أو سياسي، إنه حكاية عن بشر وجدوا أنفسهم في مواجهة زمن مضطرب، وعن ذاكرة لا تكف عن العودة، وعن أسئلة كبرى تتعلق بالسلطة والعدالة والخوف والانتماء.
ومن خلال عدنان الراجي وسليم وسليمان، يرسم الليث حجو ملامح ملحمة درامية تسعى إلى قراءة تاريخ كامل عبر مصائر أبطالها، وتقديم صورة إنسانية لواحدة من أكثر المراحل تعقيداً وإثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث.