السوق الإلكترونية الجديدة.. خطوة فنية متقدمة في مواجهة أزمة بنيوية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ رشا عيسى:

تُطلق السلطات النقدية مساراً جديداً لإعادة ضبط سوق الصرف، عبر إعلان حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر الحصرية إحداث «سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب»، كمنصة إلكترونية يُراد لها أن تكون مرجعية موحّدة للأسعار وأداة لضبط التقلبات، في خطوة بمثابة انقلاب على عهود من التشوهات المالية، لإعادة هندسة السياسة النقدية.
ويصف الحصرية السوق الإلكترونية الجديدة بأنها منصة حديثة ستُنظم عمليات التداول، وتوحد مرجعية الأسعار، وتحد من التشوهات، بما يعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية، في محاولة لإعادة تشكيل البنية التنظيمية لسوق الصرف بعد سنوات طويلة من التشتت.

رهان على الشفافية

ويؤكد حصرية أن هذه السوق ستُعزز الشفافية من خلال توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، ما يدعم ثقة المتعاملين، ويحد من المضاربات غير المنظمة، ويسهم ” وفق تعبيره في «القضاء على السوق السوداء لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً»، عبر إدارة إلكترونية تتوافق مع المعايير الدولية وبمشاركة أطراف ملتزمة بهذه الضوابط.

هدف صعب

ويرى الخبير الاقتصادي المتخصص في الاقتصاد القطاعي والإنتاجي الدكتور هشام الخياط في حديث لـ”الحرية” أن هذه التصريحات تتسم بطابع إصلاحي واضح، وتعكس وعياً بمشكلات السوق ،حيث شكّلت السوق السوداء (أو الموازية) ظاهرة مزمنة امتدت لعقود، وتفاقمت خلال سنوات الحرب نتيجة نقص الاحتياطيات الأجنبية، والعقوبات، وتوسع التدفقات غير الرسمية.

إصلاح مشروط

ويشير الخياط إلى أن توحيد مرجعية الأسعار وتعزيز الشفافية يُعدّان مطلبين موضوعيين وضروريين، خاصة في سياق إعادة هيكلة سوق الصرف التي يتحدث عنها الحصرية في أكثر من مناسبة، لكنه يلفت في المقابل إلى أن الادعاء بالقضاء الكامل على السوق السوداء يحمل طابعاً تفاؤلياً قد يتجاوز الواقع، ما لم تتوفر شروط الاقتصاد الكلي، مثل زيادة الاحتياطيات الأجنبية، وتحسن الميزان التجاري، وجذب الاستثمارات.

إدارة مُقنّعة

ويضيف الخياط إن تجارب مماثلة في دول أخرى، مثل مصر أو العراق في مراحل معينة، أظهرت أن نجاح هذه المنصات لا يرتبط بالإعلان عنها بقدر ما يتوقف على فعالية التنفيذ، وقدرتها على عكس العرض والطلب الحقيقيين، وليس مجرد إدارة سعر ضمن نطاق ضيق، وفي اقتصاد يعاني من نقص العملات الأجنبية، قد لا تكون الأسعار حرة بالكامل، بل أقرب إلى نموذج «تعويم مُدار» يسمح للمصرف المركزي بالتدخل عند الحاجة.

الذهب يدخل المعادلة

من جهة أخرى، يشير الخياط إلى أن دمج الذهب ضمن السوق الجديدة يُعد خطوة منطقية، نظراً لكونه ملاذاً آمناً في بيئات عدم اليقين، كما هي الحال في سوريا، حيث يُستخدم كأداة تحوط وادخار، ومن المتوقع أن يؤدي تنظيم تداوله إلى ربط تسعيره محلياً بسعر الصرف وسعر الأونصة العالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار تكاليف السوق المحلية، ما قد يخفف من التقلبات الحادة التي كانت تعكس مستوى الثقة أكثر من القيمة الفعلية.

فجوة الاحتياطيات

ورغم الإيجابيات المحتملة، يؤكد الخياط أن محدودية الاحتياطيات الأجنبية تبقى عاملاً حاسماً، إذ قد تُقيّد قدرة المصرف المركزي على التدخل الفعّال، وتحد من إمكانية ضبط السوق بشكل مستدام، ما يفتح الباب أمام استمرار الضغوط على سعر الصرف.

الاقتصاد المنتج

ويلفت إلى أن الأولويات الأعمق لا تكمن فقط في ضبط السوق النقدية، بل في معالجة الاختلالات في الاقتصاد الحقيقي، من خلال زيادة الإنتاج، وتحسين الصادرات، وتقليل الاعتماد على التحويلات والمساعدات، باعتبارها مصادر غير مستقرة للنقد الأجنبي.

مخاطر الالتفاف والمضاربة

كما يحذّر الخبير الاقتصادي من أن ضعف العرض الرسمي قد يدفع المضاربات إلى التحول نحو قنوات بديلة، أو إعادة إنتاج السوق الموازية بأشكال جديدة، ما لم تُرفق هذه الخطوة بإصلاحات أوسع تشمل تحرير التجارة، وتعزيز الرقابة، ومكافحة الفساد.

بين الطموح والواقع

يؤكد الخياط أن السوق الإلكترونية تمثل خطوة فنية متقدمة، لكنها تبقى جزءاً من مسار أوسع يتطلب بنية تحتية تقنية قوية، وإدارة فعالة، وتكاملاً مع السياسات الاقتصادية والمالية، كما يشدد على ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي، ولا سيما حماية المدخرين الصغار، وتجنب أي آثار تضخمية محتملة، خاصة في ظل إجراءات موازية مثل استبدال العملة القديمة (إزالة صفرين) بدءاً من كانون الثاني 2026.

Leave a Comment
آخر الأخبار