الحرية – فادية مجد:
يتقدم الموظفون في سنوات عملهم وهم يحملون تصوراً أولياً عن الشغف المهني، ذلك الشعور الذي يبدأ عادة قوياً ومفعماً بالحماس. ومع مرور الوقت، تتداخل التجارب اليومية مع الضغوط والمسؤوليات، فتتشكل علاقة جديدة مع المهنة، يعاد تشكيلها وفق ما تفرضه بيئة العمل وتحدياتها. وبين ما تمنحه الوظيفة من استقرار، وما تفرضه من التزامات، تتبدل نظرة الإنسان إلى الشغف، فيعيد تعريفه ويختبر حضوره في تفاصيل يومه.
الشغف يتغير ولا يختفي
تواصلت صحيفة «الحرية» مع عدد من الموظفين في مدينة طرطوس، حيث أفادت سحر يحيى (معلمة) بأن الشغف لم ينطفئ لديها، لكن تغير شكله بالنسبة لها، ففي سنواتها الأولى كانت تعمل بطاقة عالية، أما اليوم فهي تعتمد على الخبرة والهدوء. ورأت أن الشغف يتراجع حين يزداد العبء الإداري وتتكرر المناهج دون تطوير، ويغيب التقدير، ولكنه يعود حين ترى ابتسامة طفل يتعلم حرفاً لأول مرة، أو نجاح طالبة كانت تعاني صعوبة، وتشعر بأنها تصنع أثراً لا يزول.
الحماس ينبت مع نجاح المحصول
وأشار المهندس الزراعي نزار عبد الكريم إلى أن الشغف في العمل الزراعي مرتبط بالنتيجة، فعندما يرى محصولاً ناجحاً يعود الحماس مهما كانت الظروف، لكنه يعترف بأن ضعف الإمكانات الميدانية، وغياب الدعم الفني والروتين الإداري قد يطفئ الشغف.
الروتين أكبر عدو للشغف
من جهته أوضح منصور حسن، العامل في ديوان إحدى الجهات العامة، أن العمل الإداري قد يقتل الشغف إذا لم يجد الموظف فرصة للتطوير، فالروتين اليومي يجعل السنوات متشابهة، منوهاً أن تكرار المهام وغياب الحوافز من أبرز أسباب فقدان الشغف، مشيراً إلى أن الاستقرار الوظيفي، والعلاقات الاجتماعية، والشعور بإنجاز معاملات الناس، تمنحه قدراً من الرضا يمنع الانطفاء الكامل.
الشغف يتراجع
بدورها أشارت الممرضة غنوة عيسى إلى أن عملها كممرضة بدأ بشغف كبير لمهنة تحبها واختارت دراستها، فهي قائمة على العطاء ومساندة المرضى، مضيفة أن هذا الشغف يخف ويفقد فرحته مع مرور الوقت بسبب تراكم المناوبات الطويلة، وضغط الحالات الطارئة، ونقص الكادر، ما يجعل الإرهاق الجسدي أول ما يهدد الحماس، يليه الإرهاق النفسي الناتج عن التعامل اليومي مع الألم والفقد. مشيرة إلى أن الضغط النفسي المستمر يجعل المرء يعمل بطاقة منخفضة مهما كانت خبرته، كما أن غياب الدعم المعنوي أو طبيعة العمل التي تتناسب مع تعبنا والحوافز أيضاً، يزيد من شعورنا بأننا نعمل دون تقدير، ولاسيما أن لدينا أسر نعيلها اقتصادياً، وأغلب رواتبنا تصرف أجور مواصلات.
ونوهت أن الشغف يعود لها رغم كل ما سبق، حين ترى تحسن مريض كان في وضع حرج، أو حين تتلقى كلمة شكر بسيطة تعيد إليها معنى المهنة، مشددة على أن توفير دعم نفسي، وجدولة عادلة للمناوبات، وبيئة عمل تقدّر الجهد، هي عناصر أساسية للحفاظ على الشغف في القطاع الصحي، لأن الممرضة تعمل في مساحة حساسة تحتاج إلى توازن بين العطاء والراحة لتجنب الإرهاق المهني الذي يطفئ الحماس مع مرور السنوات.
الشغف المهني يحتاج إلى بيئة صحية
بدورها، لفتت المرشدة الاجتماعية صفاء حسن إلى أن الشغف لا يتراجع بسبب الزمن وحده، بل بسبب تراكم الضغوط النفسية في بيئة العمل، فالموظف حين يعمل في بيئة تفتقر إلى الدعم، ويشعر بأن مجهوده غير مرئي، يبدأ تدريجياً بفقدان الحماس. مشيرة إلى أن غياب التواصل الفعال بين الإدارة والموظفين يخلق فجوة تزيد من الشعور بالعزلة المهنية، كما أن تجاهل الاحتياجات النفسية يجعل الموظف يعمل بطاقة منخفضة مهما كانت خبرته.
ولفتت إلى أن الشغف يعود حين يشعر الموظف بأنه جزء من منظومة تقدر وجوده، وتمنحه مساحة للتعبير وتوفر له فرصاً للتطوير، مؤكدة أن الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية بل ضرورة، لأن الموظف حين يشعر بالأمان والدعم والاعتراف بجهده، يستعيد شغفه حتى لو أثقلته السنوات، فالشغف لا يعيش في بيئة مضغوطة، بل في مكان يمنح الإنسان حقه في التوازن.