الحرية – نهلة أبو تك:
في وقت تحاول فيه بعض المنشآت الصناعية العودة إلى خطوط الإنتاج، لا يبدو طريق تعافي الصناعة السورية سهلاً بالطريقة التي قد توحي بها هذه المحاولات، فمشهد القطاع الصناعي في سوريا لا يزال محكوماً بتحديات متراكمة، تجعل أي تحسن أقرب إلى استعادة توازن هش، لا إلى انتعاش مستقر في ظل بيئة اقتصادية متقلبة ترفع تكاليف الإنتاج في سوريا وتحدّ من القدرة التنافسية.
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن قراءة واقع الصناعة السورية لا يمكن فصلها عن جذورها، موضحاً أن جزءاً كبيراً من هذا القطاع نشأ بعد قانون الاستثمار عام 1991 مستفيداً من الإعفاءات، لكنه لم يُبنَ على قاعدة تنافسية متينة، بل على الحماية والاعتماد الواسع على استيراد مستلزمات الإنتاج، ما انعكس لاحقاً على تنافسية المنتج السوري.
ويشير إلى أن هذا النموذج جعل القطاع الصناعي في سوريا أكثر عرضة للاهتزاز مع أي تغير اقتصادي، وخاصة مع ارتفاع التكاليف وتقلب أسعار المواد الأولية، في ظل غياب التحديث الكافي في خطوط الإنتاج وضعف تطوير أساليب الإدارة، الأمر الذي يضعف فعّالية دعم الصناعة المحلية ويؤخر استعادة التوازن في السوق.
معوقات داخلية قبل الخارجية
ورغم أن تكاليف الصناعة السورية ليست بعيدة كثيراً عن مثيلاتها في دول الجوار، إلا أن المشكلة، بحسب قوشجي، تكمن في عوامل داخلية أكثر عمقاً، في مقدمتها تعقيد الإجراءات الإدارية التي لا تزال تعمل بعقلية تقليدية، إضافة إلى ضعف الترابط بين القطاعات الاقتصادية، وهو ما يشكل أحد أبرز معوقات الصناعة السورية.
ويُضاف إلى ذلك استمرار هيمنة النمط العائلي على العديد من المنشآت، في وقت تتطلب فيه المرحلة الانتقال نحو شركات أكبر وأكثر قدرة على التوسع والاستمرار، عبر تطوير الاستثمار الصناعي في سوريا ليقوم على الكفاءة والإدارة المؤسسية، لا على الملكية المحدودة.
انعكاسات على السوق والاقتصاد
هذه التحديات لا تبقى داخل المصانع، بل تنعكس مباشرة على الإنتاج المحلي السوري والأسعار والقدرة الشرائية، كما أن تعثر بعض الصناعات يفتح المجال أمام توسع الاستيراد، ما يضع الصناعة السورية في مواجهة غير متكافئة ويزيد الضغط على المنتج المحلي.
من التعثر إلى الإمكانات
ورغم هذا الواقع، لا يزال مستقبل الصناعة السورية مفتوحاً، لكن بشروط مختلفة، تبدأ من إعادة توجيه الإنتاج نحو استثمار الموارد المحلية، ضمن استراتيجية تقوم على إحلال الواردات بدل الاستنزاف المستمر في الاستيراد.
ويضرب قوشجي مثالاً بإمكانية تطوير صناعات مرتبطة بالفوسفات لإنتاج الأسمدة والمواد الكيميائية، إضافة إلى الاستفادة من المشتقات النفطية لإنتاج المواد الأولية للصناعات البلاستيكية، بما يخفف الضغط على القطع الأجنبي ويعزز حلول دعم الصناعة في سوريا.
كما يشير إلى أهمية إعادة تشغيل الأصول المتوقفة، مثل بعض معامل البورسلان، وتحويلها إلى خطوط إنتاج للسيراميك، بما يعزز واقع القطاع الصناعي في سوريا 2026 ويعيد إدخال هذه الأصول في الدورة الاقتصادية.
التمويل… نقطة التحول الأساسية
وبما يخص جانب التمويل، يوضح قوشجي أن النهوض لم يعد ممكناً بالوسائل التقليدية، بل يحتاج إلى أدوات أكثر مرونة، عبر تفعيل سوق الأوراق المالية، وإنشاء صناديق استثمارية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير أدوات تمويل القطاع الصناعي بما يواكب التحولات الاقتصادية.
ويشدد الخبير الاقتصادي على أن الانتقال من التمويل العائلي المحدود إلى التمويل المؤسساتي يشكل شرطاً أساسياً لمعالجة أسباب تراجع الصناعة السورية، وبناء قطاع قادر على الاستمرار والمنافسة.