الحرية ـ دينا عبد:
يوصف الموظف بأنه منتج عندما ينجح في إتمام المهام الموكلة إليه بوقت زمني ، لذلك تقاس إنجازاته من خلال عدد المهام وجودة العمل ، وتعد الإنتاجية هي المقياس لتقييم أداء الموظفين
الباحثة الاجتماعية غدران نجم بينت خلال حديثها لـ”الحرية” أن الإنتاجية اليومية لكل شخص فينا على الصعيد العملي أو الحياتي ليست نتاج ما نعرفه فقط بل كيف نتصرف بما نعرفه، فهي خليط معقد بين المهارات الشخصية للإنسان، والسياق الاجتماعي والنفسي والمهني له بغض النظر عن المؤهلات الأكاديمية التي يمتلكها.

تذكرة دخول
واعتبرت الباحثة الاجتماعية خلال حديثها أن الشهادات العلمية هي تذكرة دخول إلى سوق العمل أياً كان الاختصاص، لكن المهارات الشخصية تعد المحرك الذي يحدد سرعة وكفاءة الإنجاز في أي مجال، ومن هذه المهارات مثلاً، المرونة: وهي القدرة على التحول من مهمة إلى أخرى والتعامل مع التحديات المفاجئة التي تظهر أثناء تنفيذ العمل أو المهمة، فالشخص الذي يمتلك شهادة عليا لكنه يفتقر للمرونة قد يتوقف إنتاجه تماماً عند حدوث أدنى تغيير في خطة العمل ، وذلك لأنه برمج نفسه على ما ورد في الخطة فقط
باحثة اجتماعية: عندما يمتلك الشخص القدرة على نقل وفهم المعلومات بدقة ترتفع الإنتاجية لديه بنسبة تصل إلى 30%
انضباط وذكاء عاطفي
ومن ناحية أخرى ترتبط الإنتاجية بالانضباط الذاتي والذكاء العاطفي، بحسب “نجم” أي قدرة الفرد على فصل مشاكله الشخصية وضغوطاته الاجتماعية عن أدائه المهني وهنا نتحدث عن إدارة الذات قبل مهارة إدارة الوقت التي لا تقل أهمية عما سبق، فقدرة الشخص على ترتيب أولوياته يومياً بصورة دورية أمر يؤثر بنسبة تصل إلى 40 % على إنتاجيته، وهذه مهارة مكتسبة لا ترتبط بالضرورة بالشهادة الجامعية أي إننا نستطيع تعلمها ببساطة وبالمحاولة والإصرار.
مهارة التواصل
وفي نفس السياق تظهر مهارة التواصل الفعال حيث في المهن كافة (طبيب، مهندس، سائق، بائع.. الخ ) عندما يمتلك الشخص القدرة على نقل وفهم المعلومات بدقة ترتفع الإنتاجية لديه بنسبة تصل 30%.

بالتوازي مع امتلاك مهارة حل المشكلات واتخاذ القرارات فعلى سبيل المثال: شخص يحمل شهادة ابتدائية لكنه يمتلك مهارة تحليل المواقف اليومية قد يكون أكثر إنتاجية من آخر حاصل على دكتوراه لكنه يفتقر لهذه المهارة، أو نادل ماهر في قراءة لغة الجسد والتعامل مع ضغوط العمل (وهذه مهارات شخصية) يقدم خدمة ضعف ما يقدم نادل آخر حاصل على شهادة سياحة لكنه بطيء الاستجابة، أو ممرض يتمتع بذكاء عاطفي عال يتعامل مع حالات الطوارئ بكفاءة أكبر من زميل حاصل على شهادات عليا لكنه يفتقر لرباطة الجأش وسرعة التصرف،
حتى في الحرف اليدوية والصناعية قد نجد نجاراً أو ميكانيكياً بارعاً في التنظيم الدقيق لعمله ينجز مهامه بسرعة وجودة تفوق خريج هندسة حديثاً يفتقر لهذه العادة اليومية.
وأضافت: ما نحاول قوله لا تقتصر المهارات الشخصية على الوظائف المكتبية بل هي حجر الزاوية في المهن اليدوية والخدمية أيضاً ففي المهن التقنية والعلمية يحتاج المهندس أو الطبيب إلى مهارة التواصل لنقل المعلومة وغياب هذه المهارة يؤدي إلى هدر الوقت في سوء الفهم، ما يقلل الإنتاجية الإجمالية للمنظومة.
وفي المهن الحرفية واليومية تعتمد الإنتاجية هنا على الأمانة المهنية وحل المشكلات، فالحرفي الذي يمتلك مهارة التفاوض وإقناع الزبون والسرعة البديهية يحقق إنتاجية وربحية تفوق بمراحل زميله الذي قد يكون أكثر منه علماً بالصنعة لكنه يفتقر لمهارات التعامل.
ولفتت الباحثة إلى أنه ومن منظور اجتماعي الإنتاجية اليومية ليست فردية بحتة بل تتأثر بـعدة عوامل: كالاعتراف الاجتماعي فعندما يشعر الشخص أن مهاراته الشخصية محل تقدير من زملائه ومجتمعه، تزداد إنتاجيته بنسبة تصل إلى 50% كما تظهر بعض الدراسات السوسيولوجية الحديثة.
وكذلك تلعب بيئة العمل دوراً هاماً فمكان العمل المريح و المحفز الذي يحتفي بالمهارات الشخصية وليس فقط الشهادات ينتج فرقاً أكبر وأكثر تماسكاً وإنتاجية، والشخص الذي يمتلك شبكة دعم اجتماعي قوية يكون أكثر استقراراً نفسياً، وبالتالي أكثر إنتاجية يومياً.
كل ما سبق له أثر واضح وكبير في النسيج الاجتماعي للمجتمع ككل وللأفراد تحديداً، حيث تقل الفجوة الطبقية المهنية فالشخص الذي لم يسعفه الحظ للحصول على شهادات عليا، لكنه طور مهاراته القيادية، التنظيمة، والذكاء الاجتماعي، يستطيع ارتقاء السلم الوظيفي والاجتماعي، ما يحقق نوعاً من الحراك الاجتماعي القائم على الجدارة لا على الورق فقط.
أقل عرضة للاختراق الوظيفي
ولفتت نجم إلى أن الشخص المنتج الذي يمتلك مهارات شخصية يكون أقل عرضة للاحتراق الوظيفي وقدرته العالية على التواصل الفعال والعمل الجماعي تجعل بيئته الاجتماعية والعملية أقل توتراً، ما ينعكس إيجاباً على صحته النفسية وعلاقاته كما أسلفنا، الأمر الذي يعزز الثقة المجتمعية فالإنتاجية المرتفعة المرتبطة بمهارات التواصل والأخلاقيات تبني جسور الثقة بين أفراد المجتمع بائع ومشتري، موظف ومراجع الخ… هذه الثقة تقلل من تكلفة المعاملات الاجتماعية والمالية.
ومن منظور سوسيولوجي، نحن ننتقل من عصر رأس المال الثقافي (الشهادات) إلى عصر رأس مال (المهارات) والمجتمع الذي يقدر الإنتاجية القائمة على المهارة هو مجتمع حيوي، لأن الشهادة قد تنال مرة واحدة في العمر، أما المهارة فهي تتطلب تدريباً وتطويراً يومياً، ما يجعل الفرد في حالة تعلم مستمر.
دور المؤسسات
وبينت نجم ربما على المؤسسات أن تتبنى آليات تقييم للإنتاجية تقيس المهارات الشخصية اليومية كالالتزام، المبادرة، التعاون، إلى جانب المؤهلات العلمية، مع تهيئة بيئة اجتماعية داعمة في مكان العمل ، لأنه في المجتمعات التي تركز في عملية تقييم الإنتاجية على ما يفعله الشخص (مهاراته السلوكية) وليس ما يحمله من شهادات هي مجتمعات أكثر عدلاً وإنتاجية.
وهذا لا ينفي أن الشهادات العلمية ضرورية لكنها لوحدها ليست كافية فالشخص الذي يجمع بين المؤهل العلمي والمهارات الشخصية هو الذي يحقق أقصى إنتاجية، والتحول نحو تقدير المهارة الشخصية يساهم في بناء مجتمع أكثر توازناً، أقل اعتماداً على المظاهر الأكاديمية، وأكثر تركيزاً على الإنجاز الفعلي والأثر الإنساني.