بين التخطيط الزراعي والواقع الحقلي… القمح ما زال في مرحلة حرجة

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – محمد زكريا:

في كل موسم زراعي، تعود إلى الواجهة أرقام الإنتاج المتوقعة لمحصول القمح بوصفه المحصول الاستراتيجي الأول في سوريا، وغالباً ما تُقدَّم هذه الأرقام في سياق تفاؤلي يعكس “خطة إنتاجية” أو “تقديراً موسمياً مبكراً”.

تصريح معتاد

التصريح الأخير لمدير الاقتصاد الزراعي بوزارة الزراعة الدكتور سعيد الإبراهيم الذي أشار فيه إلى إمكانية الوصول إلى نحو 2.3 مليون طن من القمح، مقارنة بخطة تستهدف 2.8 مليون طن، يفتح مجدداً سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى تعكس هذه الأرقام الواقع الحقلي الفعلي؟

ركائز أساسية

وحسب الباحث الزراعية والخبيرة في التحليل الزراعي الدكتورة انتصار الجباوي فإنه من الناحية العلمية، لا يمكن فصل أي تقدير إنتاجي عن ثلاث ركائز أساسية تكمن في المساحات المزروعة فعلياً (مروية وبعلية)، وفي الإنتاجية المتوقعة للهكتار، وفي المخاطر الديناميكية خلال الموسم (مناخ، آفات، أمراض).

ولكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود “توقع”، بل في طبيعة البيانات التي يُبنى عليها هذا التوقع، ومدى حداثتها ودقتها، فالمساحات المزروعة، على سبيل المثال، لم تعد تُحدَّث دائماً بالوتيرة المطلوبة ميدانياً، كما أن تغيّر الحوافز المرتبطة بالتصريح الزراعي قد يؤثر على جودة البيانات الإحصائية الأولية.

فجوة قائمة

وبينت الجباوي لـ “الحرية” أن الفجوة بين “الإحصاء الإداري” و“الواقع الحقلي” ما زالت قائمة، وهي تتسع كلما ابتعدنا عن أدوات التحقق الميداني أو التقنيات الحديثة مثل الاستشعار عن بعد والمسح العشوائي المنهجي.

عوامل أخرى

وأوضحت الجباوي أن الأمر لا يتوقف عند الأرقام فقط، بل يمتد إلى إدارة المخاطر الزراعية، فالموسم الحالي لا يزال في مرحلة حرجة قبل الحصاد، حيث يمكن لعوامل مثل ارتفاع درجات الحرارة مع الرطوبة أو انتشار الأمراض الفطرية مثل الصدأ الأصفر أن تغير المعادلة الإنتاجية بشكل ملموس،  كما أن الكتلة الحيوية للأعشاب الناتجة عن الهطولات المطرية المرتفعة قد تشكل عامل خطر إضافي لزيادة احتمالية الحرائق في بعض المناطق الزراعية.

سياسات التسويق

وتضيف الجباوي أنه في المقابل، تبرز قضية لا تقل أهمية عن الإنتاج نفسه، وهي سياسات التسويق والتسعير، فاستقرار العلاقة بين الدولة والفلاح لا يعتمد فقط على حجم الإنتاج، بل على قدرة السياسات الزراعية على ضمان سعر عادل يغطي تكلفة الإنتاج ويحفّز الاستمرار في الزراعة، وإلا فإن جزءاً من الإنتاج قد يتجه إلى قنوات غير رسمية، بما ينعكس لاحقاً على منظومة الأمن الغذائي ككل.

سيناريوهات محتملة

من هنا، فإن التعامل مع أرقام الإنتاج لا ينبغي أن يكون بوصفها “حقائق نهائية”، بل كـ “سيناريوهات احتمالية” قابلة للتغير وفق تطور الموسم.

وإنه يمكن القول إن المطلوب اليوم ليس فقط إعلان الأرقام، بل تعزيز شفافية مصادر البيانات، وتحديث المسوحات الميدانية، واستخدام أدوات التحقق الحديثة، مع ربط التخطيط بالإدارة الفعلية للمخاطر وبالتالي فإن الأمن الغذائي لا يُبنى على رقم واحد، بل على منظومة متكاملة من البيانات الدقيقة، والسياسات المرنة، والقراءة الواقعية للموسم الزراعي حتى آخر يوم فيه.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار