الحرية _ رفاه نيوف:
تشهد المنطقة تحولات متسارعة في بنية العلاقات الاقتصادية، حيث تتجه الدول نحو إعادة تفعيل دور البنية التحتية كمدخل أساسي للتكامل الإقليمي، وفي قلب هذه التحولات، تبرز سوريا كحلقة وصل جغرافي قادرة على استعادة دورها التاريخي في الربط بين المشرق العربي وامتداداته الإقليمية، إذا ما أُحسن توظيف مشاريع النقل الحديثة ضمن رؤية تكاملية مستدامة.
في هذا السياق، يوضح الدكتور زياد أيوب عربش الأكاديمي والمستشار الاقتصادي، أن إعادة إحياء شبكات النقل، ولا سيما السكك الحديدية والطرق البرية، لم تعد خياراً تقنياً بحتاً، بل تمثل ركيزة استراتيجية لإعادة بناء الدور الاقتصادي لسورية ضمن الفضاء الإقليمي الجديد.

تحديث الربط السككي
يرى الدكتور عربش أن تحديث شبكات السكك الحديدية بين سورية وكل من الأردن وتركيا يشكل مدخلاً عملياً لإعادة تنشيط الاقتصاد السوري، انطلاقاً من استعادة موقعه كممر عبور رئيسي بين المتوسط والخليج، فالمشاريع المطروحة، وفي مقدمتها الربط الحديدي مع تركيا باتجاه حلب ثم دمشق، لا تقتصر على إعادة تأهيل بنية تحتية متضررة، بل تؤسس لمسار اقتصادي جديد قائم على الخدمات اللوجستية وحركة الترانزيت.
ويؤكد أن هذا الربط يعيد تفعيل الدور الوظيفي لسورية ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية، بما ينعكس على تحفيز قطاعات النقل والتخزين والخدمات المرافقة، ويفتح المجال أمام تدفقات تجارية واستثمارية تسهم في دعم التعافي الاقتصادي التدريجي.
انعكاسات اقتصادية مباشرة
يشدد الدكتور عربش على أن أي تقدم في مشاريع الربط البري والسككي سيترجم مباشرة إلى مكاسب اقتصادية داخلية، من خلال تنشيط حركة العبور وزيادة الطلب على الخدمات اللوجستية، إضافة إلى خلق فرص عمل وتحفيز بيئة الأعمال في المناطق المرتبطة بهذه الممرات، كما أن استعادة سورية لدورها كحلقة وصل إقليمية يعزز قدرتها على الاندماج مجدداً في الاقتصاد الإقليمي، بعد سنوات من التراجع.
تعزيز النقل المتكامل
في مقاربة أوسع، يربط الدكتور عربش بين تطوير السكك الحديدية ومفهوم النقل متعدد الوسائط، الذي يقوم على تكامل النقل البري والسككي والبحري ضمن منظومة واحدة، هذا التكامل بحسب رؤيته، يرفع من كفاءة حركة البضائع ويقلل التكاليف الزمنية واللوجستية، ما يجعل المنطقة أكثر جاذبية للاستثمار والتجارة.
ويشير إلى أن الربط بين سورية والأردن يمكن أن يشكل منصة لوجستية تمتد لاحقاً نحو الخليج، بما في ذلك السوق السعودية، في إطار رؤية أوسع لربط المشرق العربي بمنظومات النقل الإقليمية والدولية، هذا المسار لا يقتصر على تسهيل حركة الترانزيت، بل يعزز من مرونة سلاسل الإمداد في مواجهة التحديات الجيوسياسية.
آفاق التعاون المستقبلي
يؤكد الدكتور عربش أن تطوير هذه الشبكات يتطلب تنسيقاً إقليمياً عالياً واستثمارات طويلة الأمد، إضافة إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة تضمن استدامة المشاريع. ومع تزايد الحاجة الدولية إلى ممرات نقل بديلة وآمنة، تبرز فرص حقيقية أمام دول المنطقة لتطوير شراكات قائمة على المصالح المشتركة.
في المحصلة يرى الدكتور عربش أن تحديث شبكات النقل وتعزيز التكامل بين أنماطه المختلفة يمثلان فرصة استراتيجية لسورية للعودة إلى قلب النشاط الاقتصادي الإقليمي، ليس فقط كممر عبور، بل كفاعل اقتصادي قادر على الاستفادة من التحولات الجارية ضمن معادلة متوازنة تحقق مصالح جميع الأطراف.