تسعيرة القمح في سوريا بين كلفة الإنتاج ومعادلة الأمن الغذائي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبوتك :

لم يعد ملف القمح في سوريا مجرد قرار موسمي يرتبط ببدء موسم الحصاد أو تحديد سعر شراء سنوي، بل تحوّل إلى أحد أكثر الملفات الاقتصادية–الاستراتيجية حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بالأمن الغذائي من جهة، واستدامة الإنتاج الزراعي من جهة أخرى، ومع استمرار الجدل حول تسعيرة القمح، تتسع مساحة النقاش بين من يرى أن السعر الحالي يعكس واقع الإمكانيات المتاحة، ومن يعتبره غير منصف للفلاح ولا يعكس الكلفة الحقيقية للإنتاج.

وفي ظل هذا التباين، يبرز نقاش أعمق يتعلق بطبيعة المقارنة بين السعر المحلي والعالمي، وبنية المنظومة الزراعية، ومدى قدرة السياسات الحالية على ضمان استمرارية زراعة القمح دون تحميل الفلاح أو الدولة خسائر متراكمة تهدد الأمن الغذائي على المدى الطويل.

 القمح بين السوق العالمية والواقع المحلي

يؤكد الخبير الاقتصادي ملهم جزماتي لصحيفة «الحرية» أن أحد أبرز الإشكالات في النقاش العام حول تسعيرة القمح يتمثل في اختزال القضية بمقارنة مباشرة بين السعر المحلي والسعر العالمي، معتبراً أن هذه المقاربة «غير دقيقة ومجتزأة» لأنها تتجاهل الفروقات الجوهرية في بيئات الإنتاج الزراعي.

ويشير إلى أن القمح في الحالة السورية لا يمكن التعامل معه كسلعة تجارية فقط، بل كعنصر أساسي في منظومة الأمن الغذائي واستقرار الريف، وركيزة استراتيجية لضمان حد أدنى من الاكتفاء المحلي يحمي السوق من تقلبات الخارج.

ويضيف أن انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية لا يعكس بالضرورة كفاءة أعلى في السعر، بل يعود إلى اختلاف جذري في بنية الإنتاج، فالدول المصدّرة تعتمد على منظومات زراعية متكاملة تشمل المكننة الواسعة، والبذار المحسّن عالي الإنتاجية، وأنظمة التمويل والتأمين الزراعي، إضافة إلى دعم مباشر أو غير مباشر للمدخلات الأساسية مثل الأسمدة والمحروقات.

كما يلفت إلى أن إنتاجية الهكتار تختلف بشكل كبير بين الدول، إذ لا تتجاوز في بعض المناطق السورية حدود 1.5 إلى 1.8 طن، في حين تتجاوز 3 أطنان في دول إقليمية، وترتفع إلى أكثر من 7 أطنان في دول متقدمة زراعياً، ما ينعكس مباشرة على كلفة الطن النهائي ويجعل الإنتاج المحلي أكثر تكلفة بطبيعته.

 الفلاح بين تصاعد الكلفة وتراجع الجدوى الاقتصادية

في المقابل، تتعمق الإشكالية من زاوية الفلاح الذي يواجه كلفة إنتاج متصاعدة عاماً بعد عام، في مقابل سعر شراء لا يواكب هذه الزيادة بشكل كافٍ.

فأسعار البذار والأسمدة والمحروقات وأجور النقل والري والصيانة الزراعية تشهد ارتفاعاً مستمراً، في وقت تُسعّر فيه مدخلات الإنتاج وفق تقلبات سعر الصرف، بينما يُشترى القمح بالليرة السورية، ما يخلق فجوة مباشرة تنعكس على الجدوى الاقتصادية للمزارع.

ويشير الخبير الزراعي الدكتور صفوان الحلبي إلى أن هذه الفجوة لم تعد مسألة نظرية، بل انعكست عملياً على قرارات الفلاحين في عدة مواسم، حيث بدأت تتراجع الجدوى الاقتصادية لزراعة القمح في بعض المناطق، ما دفع عدداً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التوجه نحو محاصيل أقل كلفة وأكثر ربحية نسبياً.

ويحذر من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في الإنتاج المحلي، ما يضعف القدرة على تحقيق الاكتفاء النسبي، ويزيد الاعتماد على الاستيراد في سنوات الجفاف أو ضعف المواسم الزراعية.

كما يلفت إلى أن التحدي الذي يواجه الفلاح اليوم لا يقتصر على السعر فقط، بل يمتد إلى صعوبة التخطيط الزراعي طويل الأمد في ظل تقلبات مستمرة في الكلفة، ما يجعل أي تسعير غير مبني على دراسة دقيقة ومحدثة للكلفة الفعلية عرضة لإضعاف الإنتاج بدل دعمه.

 غياب التشاركية وتفاوت الواقع الميداني

يتفق الخبيران ضمنياً على أن أزمة القمح لا تتعلق بالسعر وحده، بل بمنظومة الحوكمة الزراعية وآليات اتخاذ القرار، فالتسعير لا يمكن أن يكون إجراءً حسابياً موحداً بمعزل عن الواقع الميداني المتفاوت بين المحافظات، حيث تختلف كلفة الإنتاج تبعاً لنوع الري، وتوفر المياه، وأسعار النقل، وطبيعة التربة، وكلفة اليد العاملة.

ويؤدي غياب التشاركية الفعلية مع الفلاحين والجهات المحلية إلى فجوة في صياغة القرار، ما ينعكس على دقة التسعير ويؤثر على مستوى الثقة بين المنتج والجهات المعنية.

ويؤكد جزماتي لصحيفة الحرية أن التشاركية ليست تفصيلاً إدارياً، بل عنصر أساسي في نجاح أي سياسة زراعية مستدامة، لأن تجاهل الواقع الإنتاجي قد يدفع الفلاحين إلى تقليص زراعة القمح أو التحول إلى محاصيل بديلة أقل ارتباطاً بالأمن الغذائي الوطني.

 بين الدعم والسعر.. أين تكمن معادلة الاستقرار الزراعي؟

في ضوء هذه المعطيات، يبرز نقاش أوسع حول طبيعة الدعم الزراعي المطلوب لضمان استقرار إنتاج القمح.

فالاكتفاء برفع سعر الشراء لا يعالج جذور المشكلة إذا بقيت كلفة المدخلات مرتفعة، كما أن دعم المدخلات وحده دون إصلاح آلية التسعير لا يحقق التوازن المطلوب.

لذلك، يطرح خبراء الاقتصاد والزراعة مقاربة شاملة تقوم على إعادة بناء منظومة الدعم الزراعي، بما يشمل: تسعير القمح بناء على كلفة إنتاج واقعية ومحدثة ، ودعم مباشر للمدخلات الزراعية الأساسية، وتقليص فجوة سعر الصرف بين الكلفة وسعر الشراء، مع  تحسين آليات التسويق والاستلام وتقليل الهدر، وتعزيز مشاركة الفلاحين في صنع القرار الزراعي.

تسعيرة القمح في سوريا لم تعد مجرد رقم اقتصادي قابل للنقاش، بل أصبحت مرآة تعكس تعقيدات العلاقة بين السياسة الزراعية والأمن الغذائي والواقع الإنتاجي.

وبين من يرى أن السعر الحالي يعكس الإمكانيات المتاحة، ومن يعتبره غير كاف لاستمرار الزراعة، تبقى الحقيقة الأهم أن أي خلل في هذه المعادلة لا ينعكس على الفلاح وحده، بل يمتد ليطول الأمن الغذائي الوطني واستقرار الريف والاقتصاد الزراعي ككل.

لذلك، فإن الحل لا يكمن في تعديل السعر فقط، بل في إعادة هندسة المنظومة الزراعية بشكل متكامل يضمن العدالة في الكلفة، واستدامة الإنتاج، وحماية القمح كمحصول استراتيجي أول في البلاد.

Leave a Comment
آخر الأخبار