الحرية – أنطوان بصمه جي:
تحوّلت صالة النبلاء بحي طريق الباب في حلب إلى منصة للصوت النسوي الجهور، فعلى مدى يوم كامل، عقدت «الجمعية النسائية السورية» بالتعاون مع فريق «سوريانا الأمل» المؤتمر النسوي التشاوري للمدافعات عن حقوق النساء، في توقيت وصفته المشاركات بأنه اللحظة الأكثر حساسية لإعادة تعريف الدور النسائي في سوريا الجديدة.
ويعد المؤتمر النسوي التشاوري الأول من نوعه في مدينة حلب بعد التحرير، ويكتسب أهميته من كونه يأتي في أعقاب التحولات السياسية الكبرى التي أعادت تشكيل الواقع السوري، 80 امرأة من حلب وريفها ومحافظات سورية متعددة، اجتمعن للحوار ولتشريح واقع التهميش وبناء هندسة اجتماعية عكسية تبدأ من النساء.
من المشكلة إلى تصميم التدخل
لم يكن المؤتمر مناسبةً لعرض المظالم فقط، بل تحول إلى مختبر ديناميكي للأفكار. افتُتحت الجلسات بحوار نقدي لاذع حول «أدوات الإقصاء الأساسية» التي تغيّب النساء محلياً، قبل أن تنتقل المشاركات إلى تحليل تشاركي عميق لخريطة القوى الفاعلة في سوريا، بدءاً من السياسيين والعسكريين وصولاً إلى الفاعلين في المجتمع المدني.
وتلاها الغوص في منهجية العمل وتوزيع النساء المشاركات إلى مجموعات عمل متخصصة، لرصد التحديات، والانخراط في صياغة نماذج تدخل سياسية وقانونية ومجتمعية ملموسة.
وبيّنت حسناء بركات، المديرة المؤسسة والتنفيذية للجمعية النسائية السورية، في تصريح خاص لصحيفة «الحرية» أن الجمعية النسائية تهتم بكل توصية تخرج من هذا اللقاء وتتحول إلى مشروع. وأضافت: «نحن نبني تدخلاتنا المستقبلية وآلية اختيارنا للمشاركات وحتى طريقة وصولنا إلى دوائر القرار بناء على هذا التحليل الجمعي».
وعن آليات العمل النسوي الجديدة تضيف بركات أنه بعد تحرير سوريا لم يعد مقبولاً أن نعمل في جزر منعزلة، وأن الفكرة الأساسية من المؤتمر السنوي هي خلق شبكات تواصل وتفاعل بين النساء من كل المحافظات، ليكتشفن أن التحدي لا يواجه امرأة بعينها، بل يواجه السيدات كافة.
جدل التحالفات.. جبهة واحدة أم تعددية ضرورية؟
وشهدت إحدى الجلسات النقاشية الأكثر جدلاً حول آليات العمل المستقبلية، من خلال البحث عن سؤال جوهري.. هل الأجدى بناء تحالف نسوي واحد يضم الكل تحت مظلة موحدة، أم إن تعدد التحالفات التي تختلف في آرائها وتوجهاتها هو الأقدر على تمثيل التنوع الحقيقي للنساء السوريات؟
إلهام عاشور، مديرة فريق سوريانا الأمل المنظم للمؤتمر النسوي التشاوري علقت على هذا النقاش بقولها: “كان هناك اختلاف صحي، نقاشنا اليوم أكد أن هدفنا هو نقل النساء من الهامش إلى الدور الرسمي”، مضيفة أن السؤال لم يعد عن حقوق النساء في المشاركة، بل البحث عن الكيفية التي تضمن بها النساء تمثيلاً حقيقياً يرضي الجميع”.
وفيما يتعلق بالتنوع في اختيار المشاركات، أكدت عاشور أن التنوع كان معياراً أساسياً، حيث تم التركيز على فعالية المرأة ودورها المؤثر في مجتمعها، وعلى الرغم من الصعوبات اللوجستية التي حالت دون حضور عدد أكبر من النساء القادمات من المحافظات السورية الأخرى، والي بلغ عددهن ١٠ سيدات من أصل ٨٠ سيدة.
«لسنا شريكات في المعاناة فقط»
من جهتها، أكدت الناشطة والمدافعة عن حقوق النساء، نادين طه، والتي قدمت من مدينة الباب بريف حلب الشرقي، أن المؤتمر كشف عن تراجع خطير في إشراك النساء ببعض المناطق. وأوضحت: “بعد التحرير، شعرنا بانتكاسة. نحن نرى قوالب منعزلة تُؤسس للنساء، مثل مكاتب المرأة التي تُقصيها عن الوظائف الأساسية، واستعرضت أسباب إقصاء النساء من الانتخابات والبحث عن تحالفات جدية ناجحة للوصول إلى دوائر صنع القرار.
أما أبرز توصيات المؤتمر، بحسب طه، فكانت واضحة ومباشرة في مقدمتها المطالبة بوجود فعلي وحقيقي للنساء في مراكز صنع القرار ووضع السياسات، لا أن تكون المرأة مجرد جزء على الهامش، مؤكدة أن النساء لسنا شريكات في المعاناة فقط، بل شريكات في التحرير وبناء المجتمع.
نتائج تنتظر التطبيق
واختتم المؤتمر النسوي التشاوري للمدافعات عن حقوق النساء بصياغة جماعية للنتائج، حاملةً معها سيناريوهات تدخل واضحة وآليات عمل تنظر إلى المستقبل، فشكل المؤتمر رسالة من حلب كانت مدوية مفادها لم تعد النساء السوريات ينتظرن من يفسح لهن المجال، بل بدأن بأنفسهن عملية إعادة التشكيل، من قاعات التشاور إلى مراكز القوى والسلطة.





