الحرية – مها يوسف:
تشكل قرية عين دابش، الواقعة في الريف الجنوبي الشرقي لمدينة صافيتا، واحدة من القرى التي تختزن تاريخاً عريقاً وتنوعاً اجتماعياً أصيلاً، وتجمع بين غنى الطبيعة ووفرة المياه وأهمية الموقع عبر العصور.

موقع استراتيجي منذ العصور القديمة
ويوضح المؤرخ الأثري بسام القحط في تصريح لـ«الحرية» أن قرية عين دابش تقع على بعد نحو 12 كيلومتراً جنوب شرق مدينة صافيتا، وعلى ارتفاع 330 متراً فوق سطح البحر، وتقوم فوق تلتين رئيسيتين تحيط بهما تلال أصغر، فيما يحدها من الغرب وادي نهر الأبرش، ومن الجنوب وادي نهر المتراس – العروس. ويشير إلى أن موقعها المرتفع يطل على مدينة صافيتا من جهة، وعلى القسم الشرقي من سهل عكار وبرج عرب الأثري من جهة أخرى، الأمر الذي منحها أهمية استراتيجية منذ العصور القديمة، إذ كانت محطة على الطريق الروماني التاريخي الذي يصل بين طرطوس وصافيتا ودير مار جرجس وقلعة الحصن وصولاً إلى حمص، وهو الطريق الذي عُرف في العهد العثماني باسم «وادي حزور» أو «الدريب».
الينابيع الخمسة
وينوه القحط بأن اسم القرية يعود إلى التسمية العثمانية التركية «عين دابش»، التي تعني «العيون الخمسة»، في إشارة إلى ينابيعها الشهيرة: عين شاكيش، وعين ضني، وعين نقورة، وعين زعيري، وعين فطيس. ويبيّن أن عين فطيس كانت أهم هذه الينابيع، إذ قامت حولها مستوطنة بشرية قديمة تحيط بعين ماء غزيرة تصب في نهر الأبرش. ومن هذه المستوطنة انتقل السكان إلى ضهر عين دابش حيث قامت مزرعة عين دابش القديمة، ومنها تحولت المزرعة تدريجياً إلى القرية الحالية.
تاريخ يتواصل
يشير القحط إلى أن القرية شهدت تطوراً متدرجاً عبر القرون، فتحولت من مزرعة صغيرة إلى قرية مزدهرة، وشكلت نموذجاً للتنوع الاجتماعي، حيث تعايش فيها المكون السوري للروم الأرثوذكس والمكون السوري التركماني المسلم في علاقات اتسمت بالمحبة والتعاون والاحترام المتبادل.
إرث ديني
ويلفت القحط إلى أن السوريين الروم الأرثوذكس استقروا في القرية منذ أكثر من 1600 سنة، وارتبط وجودهم بالطريق التاريخي المؤدي إلى دير مار جرجس الحميراء. وفي قلب القرية شُيدت كنيسة القديسين بطرس وبولس للروم الأرثوذكس، التي أعيد بناؤها عام 1952 بالحجر البازلتي على أنقاض كنيسة أقدم يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، وقد شيدها معماريون من بلدة مرمريتا، محافظين على الطابع المعماري التقليدي لكنائس المنطقة، ويتولى رعايتها اليوم الأب إلياس عدره، الحاصل على شهادة جامعية في اللاهوت من جامعة البلمند.
ويضيف القحط أن المكون السوري التركماني في عين دابش يتمتع بجذور تاريخية عميقة، إذ يعد جزءاً من تركمان ناحية حزور في قضاء صافيتا، الذين استقروا في المنطقة منذ أكثر من ألف عام. وقد شُيد مسجد القرية عام 1958 مكان مسجد أقدم، ثم جرى توسيعه في تسعينيات القرن الماضي، ويؤمه اليوم الشيخ حسام محمد إبراهيم، الحاصل على إجازة في الشريعة الإسلامية.
نموذج للتعايش
يؤكد القحط أن عين دابش عرفت عبر تاريخها بعلاقات متينة بين أبنائها من مختلف المكونات السورية، حيث سادت قيم المحبة والتعاون والتكافل، لتغدو نموذجاً للتعايش الوطني في ريف صافيتا. ويضيف أن هذه العلاقات ازدادت رسوخاً في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد عام 2024، مع عودة عدد من أبناء القرية الذين كانوا قد غادروا قسرياً خلال سنوات سابقة، ليستعيدوا ارتباطهم بمسقط رأسهم ويسهموا في إحياء الحياة الاجتماعية فيها.
نعمة المياه
يلفت القحط إلى أن خصوبة أراضي عين دابش تعود إلى وقوعها على خمسة ينابيع غزيرة وبين نهرين من أهم أنهار المنطقة السورية الساحلية ضمن منطقة صافيتا. ويشير إلى أن نهر الأبرش يعد أغزر أنهار المنطقة، ويمر غرب القرية، بينما يجري نهر المتراس – العروس جنوبها بمحاذاة الطريق الروماني القديم الذي تحول في العهد العثماني إلى طريق «وادي حزور»، الأمر الذي عزز أهمية الموقع عبر التاريخ.
صناعة السجاد
يذكر القحط أن عين دابش اشتهرت منذ قرون بصناعة البسط والسجاد الصوفي اليدوي، وهي حرفة حملها التركمان معهم عند استقرارهم في المنطقة، حتى أصبحت المركز الوحيد لصناعة السجاد في ريف منطقة صافيتا. ويتابع أن إنشاء وحدة ريفية متخصصة بصناعة السجاد في الربع الأخير من القرن العشرين أسهم في الحفاظ على هذه الحرفة التراثية، التي لا تزال حاضرة في القرية حتى اليوم.
الحرير والزيتون
ويبيّن القحط أن صناعة الحرير الطبيعي ازدهرت في عين دابش خلال العهد العثماني، مستفيدة من وفرة المياه وانتشار أشجار التوت اللازمة لتربية دودة القز، ولا تزال بقايا دواليب الحرير، إلى جانب تل المشتى وعيون عين دابش الخمسة، شاهدة على هذا الإرث الاقتصادي.
ويضيف أن تراجع صناعة الحرير في مطلع القرن العشرين ترافق مع توسع زراعة الزيتون، التي أصبحت من أبرز الأنشطة الزراعية في القرية، واشتهرت من خلالها بإنتاج زيت الزيتون عالي الجودة.
ذاكرة المكان
ويختتم القحط بالتأكيد على أن عين دابش لا تقتصر أهميتها على طبيعتها الغنية وخصوبة أراضيها، بل تمثل نموذجاً حقيقياً لقرى الريف السوري الأصيل ضمن منطقة صافيتا، التي نشأت حول الينابيع والأنهار، وحافظت عبر الزمن على هويتها التاريخية وتراثها الاجتماعي والثقافي. وتبقى عين دابش شاهداً على العلاقة الوثيقة بين الإنسان والأرض والماء، وعلى قدرة المجتمعات المحلية على صون تراثها وتعزيز قيم التعايش، لتظل واحدة من أبرز قرى ريف صافيتا التي تختزن في تفاصيلها ذاكرة المكان وروح التاريخ.