فانتازيا العيش في خيالات الكتابة وأوهام الفلك!

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- جواد ديوب:

تقولُ قارئةُ الفلك صاحبةُ الضحكة الخشِنةَ وشفاه السيليكون: إنّ كلَّ ما نمرّ به هو اختبارٌ لصبرنا –نحن المثقفون خِصّ نِصّ– لأنّ طالعَنا الفلكي هو طالعُ الأبطال الصناديد القادمين من أعماق الأساطير، وإن بُرجَنا العجائبيّ هو برجُ العضِّ على الشفاه لاحتمال أقسى درجات الألم تلك التي يسمّونها في الفيزياء “نقطة الامّحاء” أو “درجة اللاعودة”، وفي الكيمياء يسمونها “نقطة التحوّل” من الحالة الصلبة إلى السائلة، ثم إلى البخار، فالتلاشي… لأننا على ما يبدو قد نتلاشى في سديم هذه الحياة العبثيّة التي نعيشها.

“دون كيشوت” مزيف!

لذلك وكيلا تمضي حياتي عبثيةً بلا هدف ولا غاية؛ جرّبت أن أكون “دون كيشوتاً” فارساً نبيلاً يجوبُ السهولَ والقرى لأحارب “الأعداء” وأعيدَ زمنَ الفروسية إلى هذه الأيام الخاوية وهذا الزمن المعتم.
لكنْ حينَ لم يقبل أحدٌ أنْ يرافقني في هذه المهمة النبيلة مثل المخلص “سانشو بانزا” المسكين، ولم أجد “روزينانتي” حصاني رفيقَ المعارك الخالية، ولا طواحينَ هواءٍ، ولا أيّ “دوليثينيا” تنتظرني على شبّاك غرامياتنا، عرفتُ أن وجودَ فارسٍ جوّابٍ للسهوب والآفاق باتَ أكثر مدعاةً للضحك من “بقعة ضوء” درامية وأكثر إثارة للسخرية من الهزال العام.

فلسفة إرادة القوة!

يقول لي قارئُ الأبراج “الفانتازيّ” ذو اللحية التي تحلو له تسميتُها بـ Goatee أي “لحية المِعزاة” (وكرمى مُحبّي اللغة العربية تُدعى: عُثنون!) يقول: إنّ كوكب المال والأعمال لا يزال يُعاند المثقفين لأنهم باتوا أصبرَ على المُرِّ من شجرِ الصبّار نفسه، وأعندَ في التحايل على كل شيء حتى أنفسهم لدرجة أن بعضهم باتَ يخلط ما تبقّى في “قنينة” زيت القلي “الإيجابيّ” مع القليل من زيت المحركات المكرّر مع آخر قطراتٍ من زيت الصبر في روحه.. فقط ليتمكن من أن يأكل “أكلة مقالي” أي ما كانت تُسمّى ذات يوم: “أكلة الفقير”!
لذلك قلت لنفسي: أيّ هذيانٍ هذا يا رجل! أيعقل أن تستمع إلى ما تقوله دائرة “الزودياك” بدلاً من أن تهندس مصيرَك بإرادتك القوية كما ينصحنا خالنا “نيتشه”! فلأكن “فيلسوفاً” مثله إذاً، طالما أنني أعانقُ الكتبَ بشغفِ المشتاق، وأغرقُ في متاهاتِ الفكر والديالكتيك ورمزيات الصدفة واحتمالات الكائن.
وهكذا صرتُ “فيلسوفاً”، لكن ما إنْ حدّثتُ أولَ صبيّةٍ التقيتُها عن العاطفة العجيبة المخزونة في جملة “اللغةُ مسكنُ الوجود”، وأننا مجرد كائنات لغوية نقول عِبرَ اللغة ماهيّةَ وجودِنا بل بحسب أحدهم “نحنُ ما ننطقُ بهِ”، وما إن أكملتُ أفكاري الجهنمية وأخبرتها كيف أننا -بحسب أفلاطون-  مجرَّدَ “نسخ واقعية مزيَّفة” عن “النسخ الحقيقية اللامرئية الكامنة في عالم الماورائيات”… نظرَتْ إليَّ باستهجانٍ وأصدرتْ شهقةً مديدةً أطول من خيط الدخان المنبعث من أركيلتها، وقالت: “عَمْ تتفلسف!” رافعةً يديها نحو السماء بحركةٍ تعني “الله يشفيك”، ثم هربتْ مذعورةً!
يا للخسارة، لم تصبر، ولم تنتظر لأكمِلَ لها قولي إنّ هذا الكلام الفلسفيّ العظيم يكاد أن يكون بلا قيمةٍ ولا معنى أمام بريق عينيها العسليّتين، وأنني حين أراها تصبح روحي خفيفةً مثل “زهرة الهندباء” التي أسمّيها “زهرة المظلّات” كرمى لعينيها!
كما أن الناس وزملائي وجيراني لم يتقبلوا حديثي معهم عن أنّ وجودنا، بحدّ ذاته، هو مجرّد “رميةُ نرد”، وأنه كان يمكن أنْ “ندخلَ في الموت” دونَ أن نعلمَ أننا وُجِدنا أصلاً في هذه المتاهة.

محاولة أخيرة للنجاة!

ويقول لي عرّافُ الحكاية الذي ملّ من التبصر في أحوال المثقفين : أخشى ما أخشاه يا بنيّ أن ما يحدثُ في حياتنا اليومية الواقعية من “خناقات” سائقين، و”زعيق” البائعين، ومجادلات الشّارين، و”معارك” المتزوجين وعتابات المتخاصمين… ما هو إلا “وهمُ عَيْش”  مما كان يمكن أن نسمّيه في العالم الموازي: حياةً كريمة ومستقبلاً مشرقاً!
فقلت لنفسي في محاولة أخيرة للنجاة: لمْ يبقَ إذاً إلا أن أصبحً “شيئاً ما” أكثرَ عصريةً وحداثةً!
هكذا تقمّصتُ دورَ مغنٍّ نجمٍ، فالوسامة لا تنقصني، وعندي ثياب مشقشقة تناسبُ ذوقَ المعجبات محبّات الأزياء ومحبّي الموضة، وقد علّمني المشيُ الطويل والمضني في شوارع الحياة أن أستخدمَ قدميّ في القفز والنطّ على الخشبة، وعندي غمزاتٌ خبّأتها لهذه الأفراح والليالي المِلاح، وعندي “غمراتٌ” ملونة لأغمرَ بها معجباتي وجمهورَ “فانزاتي”… لكني حين وقفت أمام مرآة الكواليس لأجرّب أول بروفة لي؛ لم أجد صوتي ولا “عُرَبي”، لم أتذكر كلمات الأغنية ولا موضوعها، فيما “النوتاتُ الموسيقية” فرّت مثل عصافير الدوري خوفاً من مكبّرات الصوت الزاعقة، ومضخّمات العاطفة، ومن المشاعر “الداشرة” هنا وهناك على مقاطع التك توك والريلز وسنابات الانستغرام وفيلتراته وتريندانه.

حبٌ وحَبَق!

لكن رغم كل ما قالوه، وما سيقولوه، ورغم القتامة والكمَدِ والخيبات ولحظات الفشل… لا يزال قلبي يهمس لي بكلمة صغيرة جداً، ربما لا تخصّ أحداً سواي؛ كلمة فيها نكهةُ تفاؤلٍ حذرٍ تشبه ما يسميه صديقي الفنان التشكيلي بديع جحجاح:

(حب-ق)/أي شتلةُ حَبَقٍ صغيرة مرويّةٌ بماء الحب!

Leave a Comment
آخر الأخبار