الحرية- علي الرّاعي:
ليس كل صحفي أديب، هذه حقيقة مفروغ من إثباتها، وأن كان الكثير من الصحفيين أدباء، كتبوا في أكثر من نوعٍ إبداعي: القصيدة، القصة، الرواية، حتى هناك الكثير من الصحفيين، يشتغلون في أنواع إبداعية غير الأدب، كتابة السيناريو، والدراما، والمسرح، وحتى في الفن التشكيلي.. لكن في الطرف المُقابل، يكاد كل أديب أن يكون صحفياً، ولنأخذ مشاهير الأدباء في أمريكا اللاتينية على سبيل المثال، فربما جميعهم كانوا صحفيين يوماً ما، أو هم زاولوا مهنة الصحافة بطريقة أو بأخرى
ثمة زمن مر، كان فيه الكثير من المبدعين، الذين “نزعهم” الغرور، وذلك بمجيئهم على ساحة فارغة إلا منهم، ومن ثم كانوا أوائل من كتبوا في المنابر الصحفية، يوم لم يتوفر من يكتب على صفحاتها سواهم، فاعتلوا أكثر ما يكون الاعتلاء على أجنحتها، ونظراً لخفتهم، ولثقلها، لم يلبثوا إلا أن نظروا إليها جاحدين..!
تعريفات مُلتبسة
عرفّوها- الصحافة – على أنها الكتابة غير الخالدة تارةً، أو أنها أدب اللحظة طوراً، وحيناً صنفوها على أنها استنفذتهم، ولم تترك لهم سوى النذر اليسير من الوقت ليقدموا “إبداعهم الثر” في الرواية والشعر والقصة، مع أنها هي من روجت لهم – وغالباً من دون وجه حق- وأطعمتهم خبزهم، وحتى لا نعمم فثمة قلة من هؤلاء، ورغم كل ما كتبوا في أجناس أدبية، يصرون على توصيف أنفسهم بأنهم “صحفيون” قبل كل شيء، أو هم كتاب قدموا من بوابة الصحافة، وليس العكس، فهذا رياض نجيب الريس، رغم كل ما كتب في الشعر والنقد، وبتاريخه الحافل في النشر، وإصدار الكتب الأدبية وغير الأدبية، لم يجد ما يُوصف فيه نفسه أكثر من قوله: “لا أستطيع أن أعرّف نفسي إلا بكلمة واحدة، هي أنني صحافي، صحافي أولاً، وصحافي أخيراً.”
نزعهم الغرور الذي جاءهم من أيام ما قبل الإسلام، يوم كان الشاعر – ذلك أنه لم يكن ثمة جنس أدبي آخر على ساحة القبيلة غير الشعر- كان الشاعر حينها، هو وزير إعلام القبيلة، أو هو وكالة أنباء فيها، يمجد من يمجد، ويهجو من يهجو، أو يرثي من يموت من أحبائه، أو من رجال القبيلة، أو ينوح ويولول عند أطلال حبيبة هجرته.
بديات مُلتبسة
ولأجل تلك الغايات، فقد وقعت تلك الكتابات في الإنشاء والبديع، يُدبجها الكاتب من “برجه العاجي” – كما صار يُعرف من مكمنه، حتى كانت أن أفلست تلك الكتابة، بل وصل ببعض الكتابات، وعلى ما حمّل الكاتب نفسه، أو ما أوهمه المجتمع بتحمّله، من أنه المربي، والمُنّور، والهادي، لأن تصبح كتاباته أشبه بالأحفوريات، تحتاج للرجوع إلى القواميس للكشف عن كنهها، ألم يصدق الكاتب – المبدع، أن لكتاباته طابع الرسولية، لاسيما الكتابات التي ذهبت باتجاه الطوباوية، والماورئية، والتجريد، والذهنية، لينكشف الغطاء البائس عن الأدب الرديء، وكان الرد عليه بلغة الصحافة الأقرب إلى الروح، تلك اللغة التي انتصرت مع قصيدة نزار قباني، ألذي أدخل الشعر إلى المطبخ وغرفة النوم، ومع مجيء الكثير ممن كتب قصيدة النثر، صارت القصيدة تلمس بالأصابع، ذهبت الأفكار التي كان يُقال عنها “الكبيرة” مع “بديعها” إلى المتاحف، وتخلى الشاعر المعاصر عن توسله ليملأ الدنيا، ويشغل الناس، وصار همه أن تعرفه حبيبته، أو يُشغل بال جارته – على حد قول الشاعر محمد عُضيمة – وكان هذا يكفيه، فالقارئ اليوم لا يحتاج هادياً، بعدما وصل من الوعي حتى تفوق على الشاعر نفسه، وأنما هو يحتاج إلى صديق كاتب، يستطيع أن يكتب عن السرفيس، والشوارع، عن الكرسي، والسرير، والحقول، وعن كل الأشياء اليومية والمحسوسة، التي استعصت على الكاتب السابق، الذي كان ملاذه الميتافيزيقيا، صار كاتب اليوم- الصحفي، يقترب أكثر، ويكتب عن أشياء يستطيع أن يراها، ويلمسها، وقد ضيعها سابقه في الذهنية، ولتصير الكتابة الجديدة هي البناء، ورصف المداميك، فيما بقيت الكتابة التي أفرزها “الزمن الجميل” – هكذا يصرون على تسمية أزمانهم – عبارة عن أكوام من مواد البناء فقط.
تداخل أنواع
صارت الرواية الجيدة اليوم التي تقرأ بقليل من الوقت، وتقدم معلومة مفيدة، سواء تسد ثغرة، أو فجوة في تاريخٍ طويل حاول تغييبها، أو كانت بيان أو منشور سياسي، أو حتى قصة حب فاشلة، أو كانت تحقيق صحفي عن مأساة حي شعبي، فكان أن تحوّل إلى رواية، أو قصة قصيرة، وإلى قصيدة، كتابة تعطي أفقاً أوسع لكل ما حولنا من أشياء وهموم يومية، لكن بمتعة جمالية عالية..
التحقيق الصحفي – الرواية
فمن قال إن التحقيق الصحفي ليس قصة، أو رواية يحتاج إلى كتابة من نوعٍ مختلف حتى يصل إلى القارئ، والعكس أيضاً من قال أن الرواية على وجه الخصوص ليست تحقيقاً صحفياً، وهكذا القصيدة والقصة القصيرة هي مقال، وتكاد اليوم تصبح (الأجناس الأدبية) أحد الأنواع الصحفية، أو تُضاف إليها، تماماً كالعمود الصحفي، والخبر، والربورتاج، وغيرها من الأنواع الصحفية.