متى ينتقد الذكاء الاصطناعي الحكومات ومتى يصمت؟.. خبير يوضح: ليس أداة بريئة بل مرآة للتوازنات السياسية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – باديه الونوس:
في دراسة أجرتها شركة «ميتا» حول قدرة مولدات الذكاء الاصطناعي على انتقاد الحكومات، تم اختيار عشرة نماذج من بينها الحكومة الصينية، بهدف تقييم مدى قدرة هذه النماذج على التعبير بحرية، فوُجد أن هذه المولدات رفضت نسبة 34% من الانتقادات الموجهة للحكومات التي تطبق سياسات رقابية صارمة منها الصين وكمبوديا، مقابل 14% فقط للملاحظات المتعلقة بالحكومات التي تتمتع بالمرونة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا.
هذه النتيجة تُفسر بعدة عوامل، من أبرزها أن نماذج الذكاء الاصطناعي تتعلم من بيانات تتأثر بأنماط الرقابة المتبعة، بالإضافة إلى القوانين المحلية التي تحكم التعبير، كما تلعب قضايا الأمان وتجنب المخاطر القانونية دوراً مهماً في هذا السلوك، وفي ضوء ذلك يبرز سؤال: هل يمكن للذكاء الاصطناعي انتقاد الحكومات؟ وما هي العوامل المؤثرة في ذلك؟
وفي هذا السياق، كان للباحث والمدرب في مجال الاعلام الرقمي والصحافة الخوارزمية حسين الإبراهيم وجهة نظر، إذ بيّن أنه لم يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي مجرد أداة تقنية للإجابة عن الأسئلة أو تلخيص النصوص أو إنتاج الصور، بل تحوّل إلى فاعل مؤسساتي في تشكيل المجال العام الرقمي، بما في ذلك طريقة عرض السياسات ومناقشة أداء السلطة.

بنية معقدة لسؤال بسيط

يقول الخبير الإبراهيم إن هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، يكشف عن بنية معقدة من المحددات التي تتحكم في مخرجات النموذج اللغوي الكبير (LLM)، وتحدد متى يقول شيئاً، ومتى يمتنع عنه، ومن يُسمح بمساءلته، مبيناً أن الخوارزميات اللغوية الكبيرة تعمل في فضاء يتشكل عبر تداخل أربع طبقات رئيسية، لا يمكن فهم سلوك النقد السياسي للنموذج بمعزل عنها:

  1. طبقة بيانات التدريب: وتشمل تنوع المصادر، وتحيزاتها الجغرافية واللغوية والسياسية، ومدى تمثيلها للخطاب النقدي في سياقات مختلفة.
  2. طبقة سياسات الأمان والمسؤولية: التي تضعها الشركات المطورة، وتتضمن قوائم محظورات، وتصنيفات للمخاطر، ومعايير للحياد.
  3. طبقة الفلترة اللغوية والمراجعة البعدية: وتشمل آليات تصفية المدخلات والمخرجات بناءً على سياقات حساسة (جغرافية، تاريخية، دينية، أو سياسية).
  4. طبقة المخاطر القانونية والتجارية: حيث تخضع النماذج لقوانين الدول التي تعمل فيها، ولسمعة الشركة، ولحساسية الأسواق المستهدفة.

ويبيّن الإبراهيم لـ«الحرية» أن هذا التداخل يفسر التباين الملحوظ في سلوك النموذج ذاته: فقد يكتب نقداً حاداً لسياسة حكومة معينة بلغة إنكليزية، ثم يخفف أو يلتف على السؤال نفسه حين يُطرح بالعربية، أو حين يتعلق بحكومة أخرى تتمتع بقدرة أكبر على فرض قيود تنظيمية أو قانونية.

قراءة إحصائية نقدية

تشير دراسة صادرة عن مجلس الإشراف في «ميتا» 2023 إلى أن نماذج المحادثة المدروسة كانت أكثر استعداداً لانتقاد قادة ديمقراطيين مقارنة بقادة سلطويين، حيث بلغت نسبة رفض الطلبات المرتبطة بدول تقيد حرية التعبير نحو 34%، مقابل 14% فقط في الدول الأكثر سماحاً بالنقد السياسي.
وتشير تحليلات أخرى إلى أن بعض النماذج قدّمت مبررات رفض غير دقيقة أو مضللة مثل ادعاء «عدم كفاية المعلومات» أو «الحساسية العامة»، ما يكشف عن غياب الشفافية في آليات الفلترة نفسها، ويعكس مشكلة منهجية تتعلق بالتمثيل غير المتكافئ للخطاب السياسي في بيانات التدريب، وليس فقط بالرقابة اللاحقة.

نجاحات مشروطة

وأضاف الباحث والخبير الإعلامي الإبراهيم أنه في الجانب الناجح، أظهرت بعض النماذج قدرة على إنتاج نصوص نقدية مبنية على وقائع حول شخصيات سياسية في بيئات غربية، ما يؤكد أن العائق ليس تقنياً (أي قدرة النموذج على الصياغة النقدية)، بل إذنياً مؤسساتياً، مرتبط بسياسات النشر وتقييم المخاطر.
في الجانب الفاشل، رفضت النماذج ذاتها التعامل مع طلبات نقدية مشابهة عند توجيهها نحو دول ذات أنظمة حساسة سياسياً، أو خففت من حدة النقد، أو لجأت إلى مبررات غير دقيقة، ما يؤكد أن إتاحة النقد ليست متكافئة، وأن النموذج لا يُطبّق معايير موضوعية ثابتة، بل يستجيب لبيئة سياسية وقانونية متغيرة.

من التفسير الوصفي إلى التحليل السببي

يرى الإبراهيم أنه لا يمكن تفسير هذا التباين بمعزل عن ثلاث آليات سببية رئيسية:

  • التحيز الخوارزمي الموروث من بيانات التدريب، التي تزخر بخطاب غربي عن الديمقراطية والنقد، وتفتقر إلى تمثيل مماثل من مناطق أخرى.
  • سياسات تقليل المخاطر التجارية، حيث تتفادى الشركات إثارة حكومات ذات نفوذ اقتصادي أو قانوني كبير، ما يدفعها إلى تبني مواقف أكثر تحفظاً.
  • غياب معايير دولية موحدة لحرية التعبير في الفضاء الرقمي، ما يترك الأمر لتقدير الشركة وسياساتها الداخلية، وهو ما يخلق فجوة تنظيمية خطيرة.

نحو إطار حوكمة قائم على الأدلة:

يلخص الإبراهيم تحليل سلوك الذكاء الاصطناعي في نقد الحكومات بأنه ثبت أنه ليس كياناً محايداً، ولا أداة بريئة، بل مرآة للتوازنات السياسية والاقتصادية التي تعمل في ظلها الشركات المطورة، والمشكلة ليست فقط في رفض النقد، بل في عدم اتساق هذا الرفض، وغياب شفافيته، واعتماده على معايير غير معلنة يصعب على المستخدم العادي أو حتى الباحث اكتشافها.
وعليه، توصي الأدبيات الأكاديمية والتقارير الأممية «كتقرير الأمم المتحدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي 2024» بضرورة:

  • تطوير أدلة علمية واضحة وقابلة للتدقيق حول أداء النماذج في السياقات السياسية الحساسة.
  • إخضاع سياسات الأمان والفلترة لمراجعات حقوقية مستقلة.
  • وضع معايير دولية ملزمة لضمان عدم تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية لتوسيع الرقابة غير المشروعة.

سياسية بأثر رجعي

ويختم الإبراهيم قائلاً: لعلّ السؤال الأكبر الذي تطرحه هذه القضية ليس «هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتقد؟»، بل: من يمتلك السلطة الفعلية لوضع حدود هذا النقد؟ وبأي معايير؟ ولصالح من؟ وهذه الأسئلة ليست تقنية، بل سياسية بأثر رجعي واستباقي، وهي تستدعي نقاشاً عاماً موسعاً، لا أن تترك للشركات وحدها.

Leave a Comment
آخر الأخبار