الحرية – فادية مجد:
شهدت سوريا في السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية عميقة، أبرزها رفع الدعم عن السلع الأساسية، وتحرير أسعار الطاقة، وفتح قطاعات واسعة أمام المستثمرين المحليين والخارجيين، هذه الخطوات، التي تُقدم كضرورة لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الإنتاج، تثير أسئلة حول أثرها على المجتمع وقدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة.
وفي ظل تضخم مرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، يتصاعد النقاش حول مستقبل الدور الاجتماعي للدولة في ظل هذا الانفتاح المتسارع.
ولفهم ما تعنيه هذه التحولات، يقدم الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر، مهند الزنبركجي، قراءة تحليلية حول حدود الاستثمار ودور الدولة في حماية المجتمع.
دور الدولة
وأفاد الزنبركجي أنه قبل الخوض في نتائج الخصخصة، من الضروري تحديد الدور الذي يفترض أن تلعبه الدولة في إدارة الاقتصاد، موضحاً أن الدول التي تعاني من ضعف الإنتاج وارتفاع الفقر لا يمكنها الاعتماد على المستثمرين لمعالجة أزماتها البنيوية، لأن المستثمر يتحرك وفق منطق الربح، لا وفق منطق العدالة الاجتماعية.
وأضاف أن معالجة التضخم والبطالة وتراجع الدخل تبقى مسؤولية حكومية، لأنها مرتبطة بالسياسات المالية والنقدية والدعم الاجتماعي، وهي ملفات لا يمكن للقطاع الخاص أن يتولاها مهما توسع دوره.

وأشار إلى أن غياب الدولة عن هذه الملفات يترك المجتمع مكشوفاً أمام تقلبات السوق، ويجعل الفئات الضعيفة أول المتضررين.
أولويات المستثمر
كذلك لفت الزنبركجي إلى أن المستثمرين في الأسواق غير المستقرة يوجهون استثماراتهم نحو القطاعات ذات الربحية العالية، مثل الاتصالات والعقارات والطاقة والخدمات، بينما يتجنبون القطاعات الإنتاجية الثقيلة التي تحتاج سنوات لتحقيق الأرباح، موضحاً أن العامل السوري داخل هذه الشركات لا يشكل محور اهتمام، لأن تخفيض التكاليف يبقى معيار النجاح الأساسي، مما يجعل الاستثمارات، في غياب رقابة حكومية فعالة، غير قادرة على تحسين الأجور أو خفض البطالة أو رفع مستوى المعيشة. واعتبر أن الاعتماد على المستثمرين وحدهم في خلق فرص العمل “رهان غير مضمون”.
ويشير الزنبركجي إلى أن سوريا تسير في مسار اقتصادي يقوم على تقليص دور الدولة وفتح المجال أمام القطاع الخاص، ويتجلى ذلك في رفع الدعم وزيادة أسعار الكهرباء والمشتقات النفطية وطرح مؤسسات عامة للاستثمار.
ورأى أن هذه السياسات ترتبط بشروط الانفتاح الاقتصادي المطلوبة لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
لكنه في الوقت نفسه حذر من أن تطبيق هذه السياسات في اقتصاد منهك قد يؤدي إلى نتائج اجتماعية قاسية، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة وإغلاق منشآت صناعية غير قادرة على المنافسة. وأوضح أن فتح الأسواق أمام المستوردات دون حماية كافية للصناعة المحلية يجعل المصانع الوطنية عاجزة عن الصمود.
وأضاف أن بعض مؤسسات الدولة تحتاج إلى شراكات مع القطاع الخاص لتحسين إدارتها، لكن تحويل قطاعات كاملة إلى شركات خاصة قد يؤدي إلى فقدان الدولة السيطرة على مفاصل اقتصادية حساسة مثل الطاقة والاتصالات والنقل. كما أن الاعتماد المفرط على القروض والاستثمارات الخارجية يجعل القرار الاقتصادي أكثر عرضة للضغوط.
وفي ضوء هذه المعطيات، رأى الزنبركجي أن المطلوب ليس رفض الاستثمار، بل إدارته. ففتح المجال أمام رؤوس الأموال ضروري لإعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد، لكن يجب أن يتم ذلك ضمن إطار يحافظ على دور الدولة ويحمي المجتمع. واقترح أن تبقى ملكية وإدارة المؤسسات الاستراتيجية بيد الدولة، مع السماح بدخول القطاع الخاص في قطاعات محددة وبشروط واضحة.
وأكد أن التجارب العالمية الناجحة قامت على شراكات مدروسة بين الدولة والقطاع الخاص، لا على الخصخصة المطلقة ولا على الانغلاق الاقتصادي. ومن هنا، يعتبر أن مستقبل الاقتصاد السوري يعتمد على قدرة الدولة على إيجاد توازن بين جذب الاستثمار وحماية المجتمع، بحيث لا يتحول منطق الربح السريع إلى عامل يضعف استقلال القرار الاقتصادي والسياسي.