“مكتبة إبلا” حين أرست الكتابة أول أنظمة المعرفة في التاريخ الإنساني

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة اسماعيل:
تصوغ الكتابة ذاكرة الإنسان وتمنح المعرفة شكلاً قابلاً للبقاء، فمنذ اللحظة التي تحولت فيها الأفكار إلى رموز منقوشة، بدأ التاريخ يكتسب معناه العميق كوعي متراكم لا يندثر. وفي هذا الإطار، تبرز مكتبة القصر الملكي في إبلا بوصفها نموذجاً مبكراً لتنظيم المعرفة وتوثيقها، ليس كاستحضار فقط مع مرور اليوم العالمي للكتاب في 23 نيسان من كل عام، بل كونها إحدى أقدم الشواهد على نشأة فكرة المكتبة والكتاب.

مهد التوثيق المنظم

الباحث في الآثار، مدير موقع أوغاريت الدكتور غسان القيم، في حديثه لـ”الحرية” بيّن، أن مكتبة إبلا الملكية تعود إلى الفترة الممتدة بين 2400 و2250 قبل الميلاد، ما يجعلها من أقدم المكتبات المكتشفة في العالم، ومؤشراً مبكراً على تطور الفكر التوثيقي لدى الإنسان.

بنية معرفية متقدمة

واوضح القيم أن المكتبة، الواقعة في إبلا أو كما كان يعرف في العصور الغابرة تل مرديخ، لم تكن مجرد مستودع للألواح الطينية، بل منظومة معرفية متكاملة ضمت نحو سبعة عشر ألف رقيم مسماري، خضعت لنظام تصنيف دقيق يشبه في جوهره أنظمة الفهرسة الحديثة، وهو ما يعكس إدراكاً متقدماً لأهمية تنظيم المعلومات وحفظها.

الألواح المسمارية… الذاكرة الحيّة

وأشار إلى أن هذه الألواح شكّلت سجلاً شاملاً لمختلف جوانب الحياة، من النشاط الاقتصادي والتشريعي إلى الأدب والأساطير، ما يجعل كل رقيم وحدة معرفية قائمة بذاتها، تمثل شكلاً أولياً لفكرة “الكتاب” وتعبيراً حيّاً عن التجربة الإنسانية في مراحلها الأولى.

كوادر تحفظ الكلمة

ولفت القيم إلى أن الدراسات الحديثة كشفت عن وجود كوادر متخصصة داخل المكتبة، من كتبة ومنظمين، عملوا بنشاط دؤوب على توثيق النصوص وصونها، في دلالة واضحة على وعي مبكر بقيمة الكلمة المكتوبة ودورها في حماية المعرفة من الضياع.

مركز إشعاع ثقافي

وأكد أن مكتبة إبلا شكلت قلباً نابضاً للحياة الثقافية، حيث لم تقتصر وظيفتها على الحفظ، بل أسهمت في إنتاج المعرفة وتنظيمها، ما يجعلها نموذجاً مبكراً للمؤسسات الفكرية التي قامت عليها الحضارات لاحقاً.
تبقى مكتبة إبلا أكثر من أثر تاريخي، إنها شهادة راسخة على أن الكتابة كانت منذ بداياتها مشروعاً إنسانياً لبناء الوعي وصون الذاكرة. وبين ألواح الطين الأولى، تتجلى حقيقة أن المعرفة، حين تُكتب، تصبح قادرة على عبور الزمن وصناعة الخلود.

Leave a Comment
آخر الأخبار